تتصاعد مؤشرات التوتر داخل مليشيا الحوثي، مع بروز خلافات بين مراكز نفوذ متعددة تتنافس على القرار والأجهزة الأمنية والعسكرية والموارد في مناطق سيطرة المليشيا، وسط حديث متجدد عن احتكاكات بين قيادات مرتبطة بمعقلها في محافظة صعدة وأخرى تتمركز في العاصمةصنعاء.
وتشير تقارير إعلامية حديثة إلى أن الخلافات تجاوزت التباينات السياسية والإدارية لتطال الأجهزة الأمنية، مع حديث عن تضارب في الصلاحيات واعتقالات وإعادة توزيع لملفات حساسة.
وبرزت خلال سبتمبر من الشهر الجاري مؤشرات على صراع داخل المنظومة الأمنية، وسط اتهامات متبادلة بين أجنحة حوثية بشأن الولاء والنفوذ والسيطرة على الملفات الأمنية.
**السامعي يكشف الخلاف
من أبرز مظاهر التوتر خلال الأشهر الأخيرة، قضية القيادي سلطان السامعي، عضو ما يسمى المجلس السياسي الأعلى التابع للحوثيين.
وكان السامعي قد وجه انتقادات علنية لطريقة إدارة المليشيا للمناطق الخاضعة لسيطرتها، محذراً من اتساع المظالم والانتهاكات.
وبحسب تقارير إعلامية، أثارت تصريحاته خلافاً داخل قيادة الملسشيا حول كيفية التعامل معه، مع حديث عن ضغوط من قيادات محسوبة على جناح صعدة لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة بحقه، مقابل تحفظ قيادات أخرى في صنعاء على التصعيد.
وتكتسب القضية أهميتها من كونها خرجت من نطاق الخلافات المغلقة إلى مستوى السجال العلني، إذ باتت الانتقادات تصدر من شخصيات لا تزال داخل المؤسسات التي أنشأتها المليشيا لإدارة مناطق سيطرتها.
**صعدة.. مركز القرار
لا تعني هذه التطورات بالضرورة وجود جناحين متماسكين ومستقلين داخل المليشيا الحوثية، بقدر ما تكشف عن تعدد مراكز النفوذ داخل بنية المليشيا.
وتشير دراسة حديثة لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية إلى أن عملية اختيار المواقع القيادية الحساسة ظلت مرتبطة بدرجة كبيرة بالجيل الذي خاض حروب صعدة، بينما أدى استهداف عدد من القيادات العليا خلال العام الماضي إلى زيادة الضغوط على منظومة القيادة، مع بروز مشكلة مرتبطة بانتقال المسؤوليات إلى جيل جديد.
ويشير المركز إلى أن دائرة المرشحين للمواقع الحيوية أصبحت محدودة، وأن صعود شخصيات جديدة من عائلة الحوثي لا يعني بالضرورة وجود ترتيبات مكتملة لنقل السلطة إلى جيل ثانٍ، وإنما يعكس أيضاً اتساع الامتيازات داخل العائلة الحاكمة للمليشيا.
**صنعاء.. مركز الموارد
مع انتقال المليشيا من حركة مسلحة نشأت في محافظة صعدة إلى سلطة أمر واقع تسيطر على العاصمة ومؤسسات الدولة، أصبحت العاصمة صنعاء مركزاً للموارد والمؤسسات وشبكات المصالح، وهو ما خلق طبقة جديدة من القيادات والمشرفين ومراكز النفوذ.
وتكشف تقارير سابقة وحديثة عن نزاعات داخلية حول الأموال والممتلكات والمناصب، بما في ذلك خلافات بين قيادات مرتبطة بمحافظة صعدة وأخرى تعمل في العاصمة صنعاء.
وفي أكتوبر 2025 من العام الماضي، كشفت صحيفة «عدن الغد» عن نزاع بين قيادات حوثية حول عقار في العاصمة، واتهم قيادي حوثي قيادات من صعدة بمحاولة إخراجه منه.
كما سبق أن وثقت تقارير يمنية صراعات بين مشرفين حوثيين على الأموال والجبايات والنفوذ داخل أحياء العاصمة صنعاء، ما يشير إلى أن التنافس على الموارد ليس ظاهرة جديدة داخل الجماعة.
وكشفت دراسات وتحليلات سابقة رصدت بالفعل تباينات في النفوذ بين قيادات من صعدة وقيادات من مناطق أخرى، وربطت ذلك بطريقة توزيع المناصب والصلاحيات داخل المليشيا.
كما أشارت دراسات إلى أن صعود الحوثيين أعاد تشكيل علاقات النفوذ بين الهاشميين والقبائل ومراكز السلطة المحلية في المحافظات الخاضغة للمليشيا.
وتشير المعطيات الأحدث إلى أن خطوط الصراع الحالية تبدو أكثر تعقيداً من مجرد انقسام جغرافي بين صعدة وصنعاء؛ فهي تشمل تنافساً على الأجهزة الأمنية، ومراكز القرار، والموارد، والامتيازات، إلى جانب الخلاف حول طريقة إدارة المناطق الخاضعة للجماعة.
**الأمن يعكس أزمة الثقة
ويظهر الجانب الأمني باعتباره أحد أكثر مؤشرات الصراع الداخلي حساسية،فالتقارير المتداولة في شهري أغسطس وسبتمبر من العام الجاري تحدثت عن اعتقالات داخل الأجهزة التابعة للحوثيين، وإجراءات بحق قيادات أمنية بتهم مرتبطة بـ«الخيانة» أو الاختراق، إلى جانب تنازع الصلاحيات بين أجهزة مختلفة.
وفي الجماعات شديدة المركزية، يمكن أن تتحول مثل هذه الإجراءات من أدوات أمنية إلى وسائل لإعادة ترتيب مراكز القوة.
**من التذمر إلى المواجهة؟
توجد مؤشرات على اتساع مساحة التذمر داخل البيئة الحوثية. ففي شهر سبتمبر الجاري، تحدثت «الشرق الأوسط» عن تصعيد علني من شخصية حوثية سابقة في مواجهة قيادات نافذة، فيما ربطت التقرير ذلك بخلافات حول التهميش والممارسات داخل المليشيا.
كما أن دراسة مركز صنعاء ترى أن المليشيا تواجه تحدياً مرتبطاً بتجدد قياداتها، بعد سنوات من اعتمادها على دائرة ضيقة من مقاتلي حروب صعدة والقيادات المرتبطة بهم . وحتى الآن، تشير الأدلة المتاحة إلى تنافس وإعادة ترتيب لمراكز النفوذ أكثر مما تشير إلى تشكيل جناح مستقل قادر على تحدي القيادة العليا.
**ماذا يعني ذلك للحوثيين؟
الصراع الداخلي، إذا استمر، قد يضع قيادة المليشياأمام معادلة صعبة: الحفاظ على مركزية القرار من جهة، وإدارة مصالح شبكات النفوذ التي توسعت داخل صنعاء من جهة أخرى.
ويبدو أن السيطرة على المؤسسات الأمنية تظل عاملاً حاسماً في هذه المعادلة، لأن امتلاك أدوات الاعتقال والتحقيق ومراقبة القيادات يمنح الجناح الأقرب إلى القيادة العليا قدرة أكبر على ضبط المنافسين.
وفي المقابل، فإن استمرار الخلافات حول المناصب والموارد قد يزيد الاحتكاك بين القيادات التي راكمت نفوذاً داخل العاصمة وبين الدائرة الأكثر التصاقاً بالقيادة المركزية.
**لخلاصة
المؤشرات المتاحة تؤكد وجود تنافس وصراعات نفوذ داخل المليشيا الحوثية، والأوضح أن مركز الصراع يتمحور حول من يملك القرار، ومن يسيطر على الأجهزة الأمنية، ومن يتحكم في الموارد والمناصب.
وقد تتقاطع هذه المصالح مع الانتماءات المناطقية والعائلية، لكنها لا تختزل فيها.
ويبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى ستتحول هذه التناقضات وإعادة توزيع النفوذ و تراكم صراعات الأجهزة والمناصب والموارد إلى مواجهات تعصف بالمليشيا ستخرج في الأيام المقبلة من الغرف المغلقة إلى مواجهة علنية داخل العاصمة صنعاء؟.