أخبار محلية

من حظيرة الجبل إلى قصور الدبلوماسيين .. كيف تصبح مليارديرًا في صنعاء وأنت لا تملك سوى صرخة!"

المنتصف نت- المنتصف نت 27/09/2026 17:48 334 مشاهدة
من حظيرة الجبل إلى قصور الدبلوماسيين .. كيف تصبح مليارديرًا في صنعاء وأنت لا تملك سوى صرخة!"

​لم تكن صنعاء، مدينة السلاحف الحجرية العريقة والقمريات الملونة التي تتنفس البن والتاريخ، تتخيل في أردأ كوابيسها أنها ستستيقظ ذات صباح على وقع "البركات" الإلهية التي هبطت مع جحافل السيد .. فبين عشية وضحاها، تحولت المدينة إلى مسرح كبير لبيئة استثمارية فريدة من نوعها في العالم؛ حيث لا تحتاج لشهادة جامعية، ولا لخبرة تجارية، ولا حتى لرأس مال، بل يكفي أن تتقن فن "الصرخة"، وتعرف كيف تلوح بكلاشينكوف مغبر لتجد نفسك مالكًا لفيلا فارهة وسيارة دفع رباعي مدللة، بينما أصحاب الشهادات والمقاولون الكلاسيكيون يبحثون في الحاويات عن ثمن حبة رغيف. 
إنها "صنعاء الحوثية".. حيث الاقتصاد قفزات بهلوانية، والثراء السريع فريضة غائبة تم إحياؤها بالرصاص!

​"سوق النخاسة المالي.. كيف تسرق مدينة وأنت حافي القدمين؟"
​خذ على سبيل المثال, الصديق "أبو تراب"، وهو نموذج حي لـ "معجزة القرن الحادي والعشرين الاقتصادية". كان أبو تراب قبل سنوات قليلة مجرد شخص يحمل "جعبة" خفيفة في أحد شعاب صعدة، لا يملك من حطام الدنيا سوى نعل بلاستيكي مهترئ وثوب مغبر برائحة البارود. واليوم؟ ما شاء الله، تبارك الرحمن.. أصبح أبو تراب "مُشرفًا" مفوضًا، وقطبًا من أقطاب المال والأعمال في حدة والستين.
​يقول لك الاقتصاديون  إن بناء ثروة يحتاج إلى عقود من العمل والادخار، بينما يثبت "أبو تراب" وأمثاله أن الأمر لا يتطلب سوى مذكرة صغيرة بخط اليد عنوانها: "حجز متحفظ لصالح المجهود الحربي" تضعها على مكتب أي تجاري مسكين أو شركة مقاولات كبرى.
​"لماذا تطالبوننا بالضرائب مرتين يا دولة؟" هكذا يسأل التاجر المكلوم. ​فيأتيه الرد الصارم المفعم بالورع الثوري: "يا راجل، ألا تحب الحسينيات؟ ألا تريدنا أن ندعم الصمود؟ ادفع وأنت صاغر، وإلا فالتهمة جاهزة: (طابور خامس ومؤيد للعدوان)!"
​وهكذا، تتحول أموال التجار والجبايات والضرائب ومقدرات الدولة إلى حسابات بنكية سرية بأسماء وهمية أو بأصهار الجدد، لتنشأ طبقة "البرجوازية الحوثية المستحدثة"؛ طبقة تأكل اللحم المستورد وتتنقل بالآفها، بينما يكتفي الشعب العظيم بالفرجة على "الهوية الإيمانية" وهي تمتلئ شحومًا على كروش المشرفين!

​بورصة "الاستثمار الحلال".. العمارات ترتفع والكرام تجوع
​في صنعاء اليوم، أُغلق باب الاستثمار في الأسهم والسندات التقليدية، وانفتح باب "الاستثمار في أملاك الأوقاف". تخيل عزيزي القارئ أن أرضية مدرسة تاريخية أو حديقة عامة أو حتى مقبرة أثرية تحولت بفعل "بركات المشرفين" إلى مول تجاري فخم أو أبراج سكنية تدر ملايين الريالات شهريًا.
​السر المهني البسيط هنا يُعرف بـ "قانون الغلبة". إذا وجدت عقارًا يعجبك، فلا داعي لأن ترهق نفسك بالجلوس مع مالكه أو توثيق عقد شريعة. يكفي أن تطلق شائعة بأن المالك "منافق"، وأن العقار "فَيْء" للدولة العادلة، وسيتكفل القاضي التابع والمشرف المباشر بتوقيع الصك الشرعي المرتجل في خمس دقائق!
​والمواطن البسيط؟ آهٍ من المواطن البسيط.. يقف على رصيف الشارع مذهولاً، ينظر إلى قصر "أبو جبريل" الجديد وهو يرتفع كأنه ناطحة سحاب في مانهاتن، بينما يتبادل مع جاره العاطل عن العمل النظرات الساخرة قائلاً: "يا بني، نحن لسنا فقراء، نحن فقط (صامدون) لكي يشتري المشرف فيلا جديدة في تركيا!".

ال​خاتمة: 
​إن صنعاء تحت سياط هذه المليشيا التدميرية تشبه تمامًا مهرجًا حزينًا يقف على حافة الهاوية؛ يضحك الناس من مآسيه وهم يبكون. لقد نجح "أباطرة الزنابيل الجدد" في تحويل العاصمة إلى متحف مفتوح للكوميديا السوداء؛ جباية على رغيف الخبز، وضرائب على أشرطة الكاسيت، ورسوم على حزن العائلات في المآتم.
​ولكن، بين أزقة صنعاء القديمة وتحت قُمرياتها التي شاهدت دولاً تسقط وممالك تندثر، تبقى الحقيقة واضحة كشمس الظهيرة: المال المسروق لا يدوم، وعروش الطغاة المصنوعة من جماجم الفقراء ووهم الاستعلاء هشة كالزجاج. وحين يصحو الشعب العظيم من غفوته، لن يجد هؤلاء "المليارديرات الجدد" وقتًا لجمع ثرواتهم، بل سيبحثون جميعًا عن ذلك النعل البلاستيكي القديم الذي تركوه خلفهم يوم نزولهم من الجبل!