كشف تقرير استقصائي حديث، أوردته منصة فرودويكي، عن مسار جوي وصفه بأنه "قناة جوية موازية"، تُستخدم لتمرير رحلات وشحنات حساسة إلى مطار صنعاء الدولي في اليمن، مستنداً إلى بيانات تتبع راداري وتوثيق ميداني لحركة طائرة شحن كينية في 22 سبتمبر/أيلول 2026.
وبحسب التقرير الذي أعده الباحث عبدالقادر الخراز، نفذت طائرة شحن من طراز بوينغ 727-2Q9 تحمل التسجيل الكيني 5Y-GMA رحلة من نيروبي إلى صنعاء الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران، مع فترات اختفاء من أنظمة التتبع خلال أجزاء من مسارها، قبل أن تظهر مجدداً في أجواء خليج عدن وفي مطاري جيبوتي ونيروبي.
وربط التقرير هذه الرحلة بتحركات متزامنة لطائرات تابعة للأمم المتحدة ومنظمة "أطباء بلا حدود"، مؤكداً أن تزامن المسارات واختفاء بعض الإشارات الرادارية يستحق التحقيق من الجهات المعنية بالطيران المدني وآليات الرقابة على حركة الشحن إلى اليمن.
رحلة متقطعة الإشارة
وفقاً للبيانات التي أوردها التقرير، أقلعت الطائرة الكينية من مطار نيروبي صباح 22 سبتمبر، قبل أن تعاود الإقلاع باتجاه الشمال دون تسجيل وجهة واضحة على أنظمة التتبع.
وأشار التقرير إلى أن الطائرة ظهرت عند نحو الساعة 09:15 فوق المياه الإقليمية اليمنية بالقرب من عدن، قبل أن تختفي إشارتها مجدداً بين الساعة 09:17 و09:35، بالتزامن مع تحركات لطائرات أخرى في المنطقة.
وبحسب التوثيق الميداني الوارد في التقرير، هبطت الطائرة في مطار صنعاء الدولي عند الساعة 09:53، ثم أقلعت مجدداً عند الساعة 10:35 باتجاه الجنوب.
وعند الساعة 11:10 ظهرت الطائرة مرة أخرى على أنظمة التتبع قرب عدن، متجهة نحو جيبوتي، قبل أن تختفي إشارتها مجدداً أثناء الاقتراب من المطار.
وفي وقت لاحق، ظهرت الطائرة على الرادار بعد مغادرتها جيبوتي متجهة إلى كينيا، قبل أن تختفي إشارتها مرة أخرى خلال الجزء الأخير من الرحلة، وفق التقرير.
تحركات جوية متزامنة
وأشار التقرير إلى أن رحلة الطائرة الكينية تزامنت مع تحركات لطائرتين أخريين، إحداهما تابعة للأمم المتحدة وتحمل الرمز UNO132H، والأخرى مرتبطة بمنظمة "أطباء بلا حدود" وتحمل الرمز 3BNBZ.
وبحسب التقرير، أقلعت الطائرة المرتبطة بـ"أطباء بلا حدود" من جيبوتي، وحلقت باتجاه اليمن قبل أن تتجه إلى صنعاء، ثم عادت لاحقاً إلى عدن ومكثت فيها نحو 40 دقيقة قبل مواصلة رحلتها إلى جيبوتي.
وقال التقرير إن الرحلة لم تكن مدرجة، وفق البيانات التي استند إليها، ضمن جدول الرحلات الأممية المعتمد لشهر سبتمبر، وهو ما يطالب بالتحقق منه رسمياً من الجهات المشغلة والمنسقة للرحلات الإنسانية.
أما الطائرة الأممية UNO132H، فيقول التقرير إنها غيرت مسارها عن خط الرحلة المعلن، الذي يشمل جيبوتي وعدن والرياض وسيئون، واتجهت إلى المكلا قبل عودتها إلى عدن ثم مواصلة الرحلة نحو جيبوتي.
وذكر التقرير إلى هذه التحركات المتزامنة تستخدم فجوات التتبع الراداري لتسهيل وصول طائرات إلى صنعاء بعيداً عن آليات المراقبة المعتادة.
شبهة نقل شحنة حساسة
ورجَّح التقرير أن تكون الطائرة قد حملت شحنة "حساسة" خلال رحلتها المباشرة إلى صنعاء، مستنداً بصورة أساسية إلى مسار الرحلة وفترات انقطاع الإشارة وعدم المرور بنقاط تفتيش أخرى.
وبالرغم من أن التقرير لم يقدم، في مادته المنشورة، دليلاً مادياً مباشراً يحدد طبيعة الشحنة أو يثبت أنها عسكرية أو مرتبطة بمواد محظورة. إلا أن هذا لا يعني عدم وجود مخالفة لنظام حظر الأسلحة.
وطرح التقرير في المقابل تساؤلات بشأن آليات الرقابة على الرحلات المتجهة إلى مطار صنعاء، ولا سيما الرحلات التي تنفذها شركات تجارية خاصة أو مستأجرة لحساب جهات دولية أو إنسانية.
صلة بحوادث سابقة
وربط التقرير رحلة 22 سبتمبر بحادثة أخرى قال إنه وثقها في 13 يوليو 2026، عندما رُصدت الطائرة نفسها، بحسب التقرير، وهي تصل إلى مطار صنعاء وتغادره في اليوم ذاته.
وأشار التقرير إلى أن طائرة تابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر هبطت في صنعاء عقب مغادرة الطائرة الكينية، فيما كانت هناك في اليوم نفسه تحركات مرتبطة بطائرة إيرانية حاولت الوصول إلى اليمن قبل تغيير مسارها والهبوط في مطار الحديدة، وفق التقرير.
وعد التقرير تكرار ظهور الطائرة الكينية في هذه الوقائع مؤشراً يستدعي التحقيق في طبيعة الرحلات والجهات التي استأجرتها والحمولات التي كانت على متنها.
أسئلة أمام آليات الرقابة الدولية
وتعيد المعطيات التي أوردها التقرير فتح ملف الرقابة على الحركة الجوية المرتبطة بمطار صنعاء، خصوصاً في ظل استمرار القيود المفروضة على حركة الطيران في الأجواء اليمنية ووجود آليات دولية لمراقبة بعض عمليات النقل والشحن المرتبطة باليمن.
وطالب التقرير الجهات المختصة بمراجعة تسجيلات الرادار، والتحقق من مسار الطائرة الكينية، ومطابقة بياناتها مع سجلات المطارات في نيروبي وجيبوتي وصنعاء، إلى جانب التحقق من أسباب اختلاف مسارات بعض الرحلات الإنسانية عن الجداول المعلنة.
كما دعا إلى فحص التسجيلات المصورة التي قال التقرير إنها توثق هبوط الطائرة الكينية في مطار صنعاء، ومقارنتها بالبيانات التقنية للرحلة، وصولاً إلى تحديد طبيعة الرحلة والجهة المستفيدة منها.
دعوة إلى تحقيق مستقل
وتشير الوقائع الواردة في التقرير إلى وجود أسئلة جدية بشأن كيفية إدارة بعض الرحلات الجوية المتجهة إلى صنعاء، وسط تساؤلات ما إن كانت شاركت في نقل أسلحة أو مواد عسكرية إلى مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة إيرانياً.
وطالب التقرير بإجراء تحقيق مستقل يجمع بيانات الرادار وسجلات الرحلات وتصاريح الهبوط وبيانات الشحن والعقود التشغيلية، إلى جانب الحصول على ردود الجهات الأممية والمنظمات الإنسانية وشركة الطيران المشغلة للطائرة الكينية.
وأوصى التقرير قيادة التحالف والجهات المعنية بالملاحة الجوية، لرفع بلاغ رسمي حول بؤرة الاختراق الراداري التي تم رصدها في ذلك اليوم، مرفقاً بالتسجيلات الميدانية المصورة التي توثق هبوط طائرة الشحن الكينية في مطار صنعاء.
كما طالب من خلية الإخلاء والعمليات الإنسانية (EHOC) بتقديم استفسار رسمي حول تجاوز الطائرة التي تحمل نداء 3BNBZ والتابع تشغيلها لمنظمة أطباء بلا حدود، لمسار الهبوط المفترض في مطار عدن خلال رحلة الذهاب، وأسباب عدم إدراج الرحلة ضمن الجدول التشغيلي المعتمد لشهر سبتمبر الجاري.