تدرس باكستان إمكانية تنفيذ غارات جوية ضد جماعة الحوثيين في اليمن، استجابةً لطلب سعودي محتمل بموجب اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها الرياض وأنقرة وإسلام آباد مؤخرًا، وفقًا لمصادر باكستانية تحدثت لصحيفة T rkiye Today التركية.
وأشارت المصادر إلى أن الهجمات قد تُنفذ قريبًا، على أن يتم الإعلان عنها بعد ذلك بوقت قصير.
وقال أحد المصادر إن من بين الأولويات العسكرية المحتملة للهجمات الباكستانية تطهير مدينة صعدة، إلى جانب مناطق أخرى، من الحوثيين، لكنه أكد في الوقت ذاته أن قرارًا نهائيًا لم يُتخذ بعد بشأن شن هجمات داخل اليمن.
ويأتي ذلك في وقت يمارس فيه الحوثيون ضغوطًا متزايدة على السعودية، أكبر مُصدّر للنفط في العالم، منذ أسابيع، ومع دخول الصراع بين الطرفين مرحلة أكثر توترًا، ما يطرح تساؤلًا محوريًا حول ما إذا كانت إسلام آباد ستتحرك فعليًا ضد الحوثيين داخل اليمن.
هل يمثل ذلك نقطة تحول في ميثاق مكة؟
قال وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف، الأربعاء، إن أي هجوم على المملكة العربية السعودية قد يؤدي إلى تفعيل ميثاق مكة ، محذرًا من أن العدوان على أحد أعضاء الاتفاق سيُعتبر هجومًا على جميع الدول الموقعة.
وأضاف: نحن ملتزمون ببنود وشروط هذا الاتفاق، وبإذن الله سنحترمها في حال دعت الحاجة .
وكانت اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي وقعت في وقت سابق من هذا الشهر، قد ألزمت الدول الثلاث بالدفاع المتبادل في حال تعرض أي منها لهجوم.
ويجمع الاتفاق بين تركيا، صاحبة ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وباكستان، الدولة الوحيدة في العالم الإسلامي التي تمتلك أسلحة نووية، والمملكة العربية السعودية، القوة الخليجية الرائدة ذات الموارد المالية الضخمة.
وحتى الآن، تمحور التساؤل الأساسي حول مدى استعداد إسلام آباد للرد عسكريًا في حال تعرضت السعودية لهجوم، إلا أن هذا السؤال لم يعد مجرد فرضية في ظل التطورات الأخيرة.
وبحسب مصادر باكستانية تحدثت شريطة عدم الكشف عن هويتها، قد تشارك إسلام آباد في غارات جوية إذا طلبت السعودية رسميًا ردًا عسكريًا بموجب اتفاقية الدفاع، وهو ما سيمثل تحولًا كبيرًا في سياسة باكستان الأمنية والإقليمية.
ورغم أن اتفاقية مكة أضفت طابعًا رسميًا على عقود من التعاون الاستراتيجي بين الدول الثلاث، فإن التركيز انصب حتى الآن على مفهوم الردع الجماعي ، وليس على تحويل الاتفاق إلى تحالف هجومي أو كتلة عسكرية وجيوسياسية. لكن تطور الأحداث قد يفرض تطورًا طبيعيًا في أهداف الاتفاق وآليات عمله وفقًا للحاجة.
أما المشاركة الباكستانية في غارات جوية داخل اليمن فستكون مسألة مختلفة تمامًا، إذ سترفع مستوى التحدي بصورة ملحوظة، وستشكل أول تطبيق عسكري رئيسي لاتفاق مكة، كما ستضع سابقة بشأن كيفية عمل التحالف الدفاعي الجديد على أرض الواقع.
ولدى باكستان بالفعل قوات عسكرية وقدرات دفاع جوي متطورة منتشرة في المملكة العربية السعودية. وذكرت وكالة رويترز في أغسطس/آب أن إسلام آباد نشرت نحو 8 آلاف جندي وطائرات مقاتلة وطائرات مسيرة ونظام دفاع جوي في المملكة.
وقد مثل هذا الانتشار وسيلة مباشرة نسبيًا لباكستان لإثبات التزامها باتفاقية مكة، دون الحاجة إلى شن حملة عسكرية خاصة بها داخل اليمن.
وفي الوقت نفسه، يمكن لهذه القدرات أن تعزز حماية المجال الجوي السعودي والمنشآت الاستراتيجية، وتوفر المعلومات الاستخباراتية والمراقبة، أو تساعد في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة القادمة. وأسهمت هذه الإجراءات في الدفاع المباشر عن الأراضي السعودية، مع تجنب القرار الأكثر حساسية من الناحية السياسية، والمتمثل في شن غارات جوية على مواقع الحوثيين.
الحساسيات السياسية
في عام 2015، رفض البرلمان الباكستاني فعليًا طلبًا سعوديًا بانضمام القوات الباكستانية إلى الهجوم الذي قادته السعودية ضد الحوثيين، فيما أكدت إسلام آباد لاحقًا أنها ستدافع عن وحدة أراضي المملكة العربية السعودية.
لكن باكستان اليوم لا تتحرك فقط استنادًا إلى تفاهم غير رسمي مع الرياض، إذ يوفر اتفاق مكة إطارًا سياسيًا للدفاع الجماعي، في وقت حذر فيه وزير الدفاع خواجة آصف صراحة من إمكانية دخول بنوده حيز التنفيذ إذا امتد الصراع اليمني إلى الأراضي السعودية.
وفي معرض حديثه عن إمكانية مشاركة باكستان، قال زيشان شاه، المحلل السياسي المقيم في واشنطن، لـ T rkiye Today ، إن وزير الدفاع خواجة آصف معروف عنه أنه يدلي بتصريحات مرتجلة في مناسبات عديدة لا تمثل بالضرورة موقف الحكومة .
وأشار شاه إلى أن الوزير أدلى بتصريح مماثل في عام 2015 عندما أطلقت العملية السعودية الإماراتية ضد الحوثيين لأول مرة .
ويرى شاه أنه إذا قرر السعوديون ضرب الحوثيين، كما أصبح مرجحًا، فإن أي مساعدة وخبرة باكستانية قد تقتصر على الدعم اللوجستي والدعم من وراء الكواليس، بدلًا من تنفيذ غارات قصف فعلية ضد الحوثيين .
لكن الحسابات الاستراتيجية تغيرت منذ توقيع الاتفاق، إذ لم يعد الحوثيون يهددون الرياض بالخطابات فقط أو يهاجمون السفن البعيدة، الأمر الذي يجعل اللغة الصادرة من إسلام آباد مؤشرًا على أن المشاركة العسكرية باتت موضع بحث جدي، بدلًا من استبعادها.
وإذا حدث تدخل عسكري باكستاني مباشر، فقد يؤدي ذلك إلى تعقيد العلاقات المتوازنة بعناية بين إسلام آباد وطهران، فضلًا عن التأثير على جهود الوساطة التي تبذلها باكستان لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
ومن المرجح أيضًا أن يؤدي أي تحرك باكستاني مباشر إلى إشراك تركيا بصورة أعمق في هذا الترتيب، بما قد يحول اتفاق مكة من إطار للردع والدفاع المشترك إلى تحالف أمني عملياتي أكثر وضوحًا.