خاص ( البعد الرابع) غرفة الأخبار
نشر في الأربعاء ,4 نوفمبر ,2026-11:19 مساءً
كتب/ أسرار علاية ✒️
في اللحظات الفاصلة من تاريخ الشعوب، تسقط الأقنعة، وتنتهي صلاحية الشعارات الزائفة، ويظهر الفرق بين من يحمل قضية وطنية بإيمان وثبات، ومن يتخذ منها سلّماً للصعود إلى المناصب وتحقيق المصالح الشخصية.
وهذا ما حدث في الجنوب.
عندما اختار الرئيس عيدروس قاسم الزُبيدي خيار الشعب، لم يكن قراره مجرد موقف سياسي عابر، بل كان قراراً حمل دلالات كبيرة، وأعاد رسم خطوط المواجهة بين أصحاب المشروع الوطني الحقيقي والمتاجرين بالقضية الجنوبية. لقد اختار الانحياز لإرادة شعبه، ولم يجعل المنصب الحكومي أو الشراكة السياسية فوق تطلعات شعب الجنوب وحقه في استعادة دولته.
تخلى عن عباءة الشراكة التي لم تحقق تطلعات الجنوبيين، ووجّه رسالة واضحة مفادها أن المناصب لا تساوي شيئاً إذا كانت على حساب القضية، وأن الكراسي مهما كانت مغرياتها لا يمكن أن تكون بديلاً عن إرادة شعب يتطلع إلى الحرية واستعادة دولته.
وهنا بدأت الأقنعة تتساقط!
لسنوات طويلة، حاولت بعض الأطراف تعليق كل إخفاق على شماعة المجلس الانتقالي الجنوبي والرئيس عيدروس الزُبيدي. كلما انقطعت الكهرباء، قالوا الانتقالي السبب، وكلما تأخرت الرواتب، حمّلوه المسؤولية، وكلما تدهورت الخدمات أو تفاقمت معاناة المواطنين، خرجت أبواقهم لتكرر الأسطوانة ذاتها.
لم تكن تلك الحملات بريئة كما حاولوا تصويرها، بل تحولت إلى وسيلة سياسية لتشويه القيادة الجنوبية وتحميلها مسؤولية ملفات تملك أطراف أخرى مفاتيح إدارتها والتحكم بها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: بعدما تراجعت الشراكة، وأصبحت المسؤولية التنفيذية في يد الجهات التي كانت تتذرع بوجود الانتقالي، هل تحسنت أوضاع الناس؟ هل انتظمت الرواتب؟ هل عادت الكهرباء؟ هل توقفت معاناة المواطنين؟ وهل عادت ثروات الجنوب إلى أصحابها؟
إن استمرار الأزمات وتفاقم المعاناة يضعان تلك الأطراف أمام مسؤولياتهما الحقيقية، ويكشفان زيف محاولات الهروب من الفشل عبر اختراع شماعات سياسية جديدة.
وهنا تكمن المفارقة التي لا يستطيع المتسلقون الهروب منها.
هناك من ظل يتشبث بالمنصب حتى آخر لحظة، وهناك من جعل القضية الجنوبية ورقة للمساومة، وهناك من غيّر مواقفه بتغيّر المصالح والظروف، بينما ظل شعب الجنوب يدفع ثمن الصراعات والمؤامرات ومحاولات الالتفاف على إرادته.
أما عيدروس الزُبيدي، فقد جعل موقفه السياسي مرتبطاً بخيار شعبه، وهذا ما يفسر تمسك أنصاره به، واعتبارهم قراراته جزءاً من معركة استعادة الدولة.
وليس المطلوب من أحد أن يصفق لأي قيادة دون محاسبة أو نقد، لكن المطلوب أن تكون هناك عدالة في تقييم المسؤوليات، وألا يتحول النقد إلى حملة تضليل، ولا تتحول معاناة الناس إلى مادة للابتزاز السياسي.
لقد سئم الجنوبيون من أولئك الذين يتحدثون باسمهم في المواسم السياسية، ويختفون عندما تحين لحظة التضحية، ومن الذين يرفعون شعارات الوطنية بينما تتبدل مواقفهم بحسب اتجاه الرياح ومصالحهم الشخصية.
والأخطر من ذلك أن محاولات إضعاف المشروع الجنوبي لا تقف عند حدود المناصب والخلافات السياسية، بل تفتح المجال أمام قوى ومشاريع معادية تتربص بالجنوب، وتنتظر لحظة تفكك صفوفه للعودة بمشاريع الحوثي والتنظيمات الإرهابية المتطرفة، بما فيها القاعدة وداعش، لتهديد أمنه واستقراره ومستقبله.
ولهذا فإن الحفاظ على وحدة الصف الجنوبي، وحماية القوات المسلحة الجنوبية، والتمسك بالقرار الوطني المستقل، ليست شعارات للاستهلاك الإعلامي، بل مسؤولية تاريخية لا تحتمل المساومة.
لقد كشفت المواقف معادن الرجال، وأثبتت أن القضية الجنوبية أكبر من المناصب وأبقى من الأشخاص، وأن شعب الجنوب لم تعد تنطلي عليه حملات التضليل وتبديل الأقنعة.
اختار عيدروس خيار الشعب، فكان اختياره اختباراً حقيقياً لكل من ادّعى الوقوف مع الجنوب. سقطت أقنعة المتسلقين، وانكشفت حسابات المتاجرين، وبقيت القضية الجنوبية هي المعيار الذي تُوزن به المواقف والرجال.
لن تُسقط القضية حملات التشويه، ولن تُباع تضحيات الشهداء في أسواق المصالح، ولن يقبل شعب الجنوب أن يتحول حلم استعادة دولته إلى ورقة تفاوض في أيدي الباحثين عن المناصب.
فالجنوب ليس سلعة، وإرادة شعبه ليست للمساومة، ومن يظن أن بإمكانه تجاوز هذا الشعب أو الالتفاف على تطلعاته، فعليه أن يقرأ التاريخ جيداً.
دولة الجنوب ليست حلماً عابراً، إنها قضية شعب وتضحيات أجيال وإرادة لا تنكسر.