أخبار محلية

بحسابات الربح والخسارة.. كيف يتفاعل العالم مع الحرب في اليمن؟

يمن فويس 02/11/2026 21:48 350 مشاهدة
بحسابات الربح والخسارة.. كيف يتفاعل العالم مع الحرب في اليمن؟

لا يمكن النظر إلى الحرب في اليمن باعتبارها صراعاً داخلياً محدوداً، أو أزمة منفصلة عن التوازنات الإقليمية والدولية؛ فالموقع الجغرافي لليمن يجعله حاضراً في قلب معادلة الطاقة والتجارة العالمية، إذ يطل على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر، وصولاً إلى قناة السويس والبحر المتوسط.

ومن ثم، فإن أي اضطراب أمني في هذا الممر لا يتوقف أثره عند حدود اليمن، بل يمتد إلى أسواق النفط والشحن والتأمين وسلاسل الإمداد في مختلف أنحاء العالم.

من هذا المنطلق، تبدو الحرب اليمنية جزءاً من صراع أوسع على النفوذ والقدرة على التأثير في طرق التجارة والطاقة. فكلما ارتفعت المخاطر في البحر الأحمر، اضطرت شركات النقل البحري إلى إعادة حساباتها، سواء بتغيير مسارات السفن، أو زيادة تكاليف التأمين، أو رفع أجور الشحن. وفي نهاية المطاف، تنتقل هذه الزيادات إلى أسعار السلع والمواد الأولية، لتنعكس على المستهلك في صورة تضخم وارتفاع في تكاليف المعيشة.

الولايات المتحدة والصين.. صراع النفوذ عبر بوابة الاقتصاد

تتداخل الحرب في اليمن مع المنافسة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين. فالصين تعتمد بدرجة كبيرة على تدفق مستقر للطاقة وعلى طرق بحرية مفتوحة لتأمين وارداتها ونقل صادراتها إلى الأسواق العالمية.

وأي اضطراب في خطوط الإمداد يرفع تكاليف النقل والطاقة والتأمين، وهو ما ينعكس على تكلفة الإنتاج الصينية وعلى قدرتها التنافسية في الأسواق الدولية.

ومن هذه الزاوية، قد ترى واشنطن في اضطراب طرق الطاقة والتجارة وسيلة ضغط غير مباشرة على الاقتصاد الصيني؛ فارتفاع كلفة الطاقة لا يؤثر في المصانع وحدها، بل يمتد إلى قطاعات النقل والمواد الخام وسلاسل التوريد، وقد يقلص هامش المنافسة الذي تتمتع به المنتجات الصينية في الأسواق العالمية.

لكن هذا التصور لا يعني أن الولايات المتحدة تخرج رابحة من استمرار الحرب؛ فهي الأخرى تتأثر بارتفاع أسعار النفط وتكاليف الشحن والطاقة. وحين ترتفع أسعار الوقود، ترتفع معها تكاليف النقل والزراعة والصناعة والخدمات، كما ينعكس ذلك على أسعار الديزل، الذي يمثل عنصراً أساسياً في حركة الشاحنات وتشغيل المصانع وتوزيع السلع.

لذلك تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة معقدة؛ فقد تحقق مكاسب سياسية واستراتيجية من الضغط على خصومها، لكنها تدفع في المقابل ثمناً اقتصادياً نتيجة اضطراب الطاقة والتجارة. وهو ما يجعل الحرب جزءاً من معادلة استنزاف طويلة، لا يملك فيها أي طرف مكسباً كاملاً أو خسارة كاملة.

أما الصين، فعلى الرغم من تضررها من ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، فإنها لا تنظر إلى الصراع من زاوية اقتصادية فقط، بل تربطه بموقعها في النظام الدولي وعلاقتها بالولايات المتحدة وقدرتها على تأمين طرق التجارة بعيداً عن الضغوط السياسية.

ولهذا قد تفضّل بكين إدارة آثار الأزمة بدلاً من تقديم تنازلات استراتيجية واسعة، مع محاولة الحد من انعكاساتها على اقتصادها ومصالحها التجارية.

وبهذا المعنى، لا يبدو أن واشنطن وبكين تنظران إلى استمرار الحرب باعتباره غاية بحد ذاته، لكن كلاً منهما قد يحاول توظيف تداعياتها لمصلحته ضمن صراع دولي أوسع. والمشكلة أن هذا النوع من الصراعات قد يستمر حتى عندما تصبح تكلفته على الجميع أعلى من عوائده.

السعودية.. بين عوائد النفط وكلفة المخاطر الأمنية

تُعد السعودية من أكثر الدول ارتباطاً بتداعيات الحرب اليمنية، بحكم الجغرافيا والأمن والاقتصاد. وقد يؤدي اضطراب الملاحة أو تراجع القدرة على تصدير النفط عبر بعض المسارات إلى انخفاض الكميات المصدرة، أو ارتفاع تكاليف تأمينها ونقلها.

صحيح أن ارتفاع أسعار النفط قد يعوض جزءاً من أثر انخفاض الكميات المصدرة، بل قد يحقق إيرادات قريبة من المستويات السابقة أو أعلى منها في بعض الفترات، لكن هذه المعادلة ليست مستقرة دائماً؛ فارتفاع الأسعار لا يلغي مخاطر السوق، ولا يضمن استمرار الطلب، ولا يمنع الدول المستوردة من البحث عن بدائل أو تقليل اعتمادها على النفط.

كما أن الضرر لا يُقاس بالإيرادات النفطية وحدها. فالسعودية تعمل على توسيع اقتصادها وتنمية قطاعات السياحة والصناعة والخدمات والاستثمار غير النفطي. وأي اضطراب أمني طويل في البيئة الإقليمية قد يؤثر في ثقة المستثمرين، ويرفع تكاليف التأمين والنقل، ويجعل بعضهم أكثر حذراً في ضخ استثمارات جديدة في المنطقة.

وهنا تظهر المفارقة: قد تحقق الدولة عوائد نفطية مرتفعة نتيجة صعود الأسعار، لكنها في الوقت نفسه تتحمل تكاليف أمنية واستثمارية أكبر، وقد تتراجع جاذبية بعض المشاريع أو تتأخر القرارات الاستثمارية بسبب ضبابية المشهد الإقليمي.

الإمارات وإسرائيل.. حسابات النفوذ ومخاطر التجارة

أما الإمارات، فتتحرك ضمن شبكة إقليمية معقدة من التحالفات والمصالح، ولها حساباتها الخاصة في اليمن والبحر الأحمر والموانئ وطرق التجارة والنفوذ البحري.

كما أن علاقاتها بإسرائيل فتحت قنوات جديدة للتعاون السياسي والأمني والاقتصادي، وهو ما دفع بعض المراقبين إلى ربط التحولات في المنطقة بمحاولات إعادة تشكيل موازين القوى على امتداد البحر الأحمر وخليج عدن.

لكن من المهم التمييز بين التحليل السياسي والوقائع المثبتة؛ فالقول إن الإمارات وإسرائيل تستخدمان الحرب بصورة مباشرة للضغط على السعودية يحتاج إلى أدلة محددة، ولا يكفي لإثباته وجود خلافات أو تباينات في المصالح. والمؤكد أن لكل طرف حساباته وأولوياته، وأن تعدد القوى المتدخلة يجعل الوصول إلى تسوية شاملة أكثر تعقيداً.

وفي المقابل، فإن استمرار الحرب لا يخلو من أضرار على الإمارات وإسرائيل. فالإمارات تعتمد على صورتها مركزاً تجارياً ومالياً وسياحياً آمناً، وأي اضطراب في الممرات البحرية القريبة منها قد يرفع تكاليف النقل والتأمين ويؤثر في ثقة المستثمرين.

أما إسرائيل، فإن اضطراب البحر الأحمر ينعكس على أمن الملاحة وحركة التجارة والطاقة، ويفرض تخصيص موارد إضافية للأمن والدفاع. كما أن استمرار التوتر الإقليمي يزيد المخاطر السياسية والاقتصادية، حتى عندما تحقق بعض الأطراف مكاسب مؤقتة أو محدودة.

مصر.. قناة السويس في قلب تداعيات الحرب

تتأثر مصر بصورة مباشرة بأي اضطراب في البحر الأحمر، نظراً إلى أن قناة السويس تمثل أحد أهم مصادر العملة الأجنبية وإيرادات الدولة.

فعندما تتجنب السفن المرور عبر القناة، أو تختار طرقاً أطول حول رأس الرجاء الصالح، تتراجع عائدات القناة، وتزداد مدة الرحلات وتكاليفها.

وقد تظهر بعض الفوائد المؤقتة من ترتيبات بديلة لنقل النفط، أو من زيادة الطلب على خدمات لوجستية محددة، مثل استخدام خطوط الأنابيب أو الموانئ المصرية لنقل بعض الشحنات. لكن هذه المكاسب تظل محدودة مقارنة بالخسائر الناتجة عن انخفاض أعداد السفن العابرة وتراجع إيرادات قناة السويس.

ولا تتوقف الخسائر عند رسوم العبور، بل تمتد إلى قطاعات اقتصادية مرتبطة بالقناة، مثل الخدمات البحرية والصيانة والتموين والنقل والتخزين، وهي منظومة اقتصادية كاملة تعتمد على انتظام حركة التجارة الدولية.

أوروبا وكندا.. فاتورة الحرب تصل إلى المستهلك

لا تحتاج أوروبا وكندا إلى أن تكونا طرفاً مباشراً في الحرب حتى تتحملا جزءاً من كلفتها؛ فاقتصادات هذه الدول مرتبطة بشبكات التجارة العالمية، وأي ارتفاع في تكاليف الشحن أو الوقود ينتقل تدريجياً إلى أسعار السلع.

فعندما تطول المسافات البحرية، ترتفع أجور النقل والتأمين، وتزداد الحاجة إلى الوقود، وتتأخر مواعيد التسليم. وتتحمل الشركات هذه التكاليف في البداية، قبل أن تنقل جزءاً منها إلى المستهلك.

وتظهر النتيجة في ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع الصناعية وقطع الغيار ومستلزمات الإنتاج.

كما أن ارتفاع أسعار الديزل لا يؤثر في قطاع النقل وحده، بل يرفع تكاليف تشغيل المصانع والمعدات الزراعية وشاحنات التوزيع ومرافق الخدمات. ومع تراكم هذه الزيادات، تتصاعد الضغوط التضخمية، وتجد البنوك المركزية نفسها أمام خيارات صعبة بين الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لمواجهة التضخم، أو تخفيف السياسة النقدية لدعم النمو مع احتمال عودة الضغوط السعرية.

وتتكرر هذه الآثار في معظم الدول الصناعية، وإن بدرجات متفاوتة؛ فالدول الأكثر اعتماداً على الاستيراد والممرات البحرية تكون أكثر عرضة للضرر، بينما قد تستفيد بعض الدول المنتجة للطاقة من ارتفاع الأسعار، لكن بصورة مؤقتة وغير مضمونة.

اليمن.. الخاسر الأكبر من صراع المصالح الدولية

تكشف حسابات الربح والخسارة أن الحرب اليمنية لم تعد مجرد مواجهة داخلية، بل أصبحت أزمة تتشابك فيها المصالح الاقتصادية والحسابات السياسية والأمنية لدول وقوى إقليمية ودولية متعددة.

وقد تحقق بعض الأطراف مكاسب قصيرة الأمد، مثل ارتفاع عائدات الطاقة، أو زيادة أهمية بعض الموانئ، أو تعزيز النفوذ السياسي والعسكري. لكن هذه المكاسب لا تقارن بحجم الخسائر المحتملة والمتراكمة على مستوى المنطقة والعالم.

فالولايات المتحدة تواجه ضغوطاً مرتبطة بتكاليف الطاقة والتجارة، والصين تواجه اضطراب سلاسل الإمداد، والسعودية تتحمل أعباء أمنية واستثمارية، ومصر تتضرر من تراجع حركة الملاحة في قناة السويس، فيما تواجه الإمارات وإسرائيل مخاطر مرتبطة بالتجارة والاستثمار، وتتحمل أوروبا وكندا والدول الصناعية ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج.

أما اليمن، وهو الطرف الأكثر ارتباطاً بالحرب، فيدفع الثمن الأكبر إنسانياً واقتصادياً. فبدلاً من أن يتحول موقعه الجغرافي إلى مصدر للتنمية والتجارة والاستثمار، أصبح هذا الموقع أحد العوامل التي تزيد من تعقيد الصراع وتفتح الباب أمام التدخلات الخارجية.

وبالمحصلة، تبدو كفة الأضرار أوسع من المكاسب التي قد تحققها بعض الأطراف؛ فالأرباح غالباً ما تكون مؤقتة ومحدودة، بينما تمتد الخسائر لسنوات طويلة عبر التضخم وتراجع الاستثمار وتعطيل التجارة وزيادة الإنفاق العسكري وتآكل الاستقرار الإقليمي.

إن إنهاء الحرب واستعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها، ومعالجة التهديدات الأمنية المرتبطة بالمليشيات الحوثية، لا يمثلان قضية يمنية فحسب، بل يرتبطان بمصالح أمنية واقتصادية إقليمية ودولية، بما في ذلك مصالح الأطراف التي قد تعتقد أنها قادرة على توظيف الصراع لتحقيق مكاسب خاصة.