فتحت دار الشعر بمراكش نقاشاً جديداً حول العلاقة بين القصيدة والمسرح، خلال ندوة تناولت شعرية النص المسرحي في فن الدمى، ومحاولة انتقال اللغة الشعرية من بنيتها المكتوبة إلى عرض تتداخل فيه الحركة والصوت والسينوغرافيا وتقنيات تحريك العرائس.
واحتضنت قاعة الندوات في المركز الثقافي الداوديات، في 30 أكتوبر/تشرين الأول، اللقاء الذي نظمته الدار بالتنسيق مع المديرية الجهوية للثقافة في جهة مراكش آسفي وجمعية العرائس للتربية والثقافة بمراكش، ضمن برنامجها الثقافي «ندوات».
وجاءت الندوة تحت عنوان «شعرية النص المسرحي في فن الدمى.. من القصيدة إلى الكتابة الركحية»، استكمالاً لنقاش بدأته دار الشعر في مايو/أيار الماضي حول حضور الشعري والسردي في النص الدرامي الموجه إلى مسرح العرائس.
وشارك في اللقاء الأكاديمي والباحث رشيد أمحجور، والفنانة نزهة الجعيدي، والممثل والمخرج والمؤلف المسرحي الحسن هنون، وتوزعت مداخلاتهم بين تحليل النص الدرامي، ومكونات العرض المسرحي، والتحديات التقنية التي تواجه الممثل عند التعامل مع الدمى فوق الخشبة.
وانطلق النقاش من سؤال أساسي يتعلق بالطريقة التي ينتقل بها النص من القصيدة إلى المسرح. فاللغة الشعرية، بما تحمله من صور وإيقاع واستعارات، لا يمكن نقلها إلى العرض كما هي، بل تحتاج إلى إعداد يراعي الحركة والزمن والإيقاع البصري وطبيعة الجمهور.
واكتسب النقاش بعداً إضافياً لأن جانباً مهماً من عروض الدمى موجه إلى الأطفال واليافعين، ما يضع الكاتب أمام معادلة تجمع بين المتعة والمعرفة، وبين الخيال والرسالة التربوية، من دون أن يتحول العرض إلى درس مباشر يفقد المسرح طاقته الجمالية.
ورأى المشاركون أن النص الموجه إلى الطفل لا يُبنى بصورة اعتباطية، بل ينطلق من أسئلة تتعلق بهدفه ووظيفته والفئة العمرية التي يخاطبها. وتساعد اللغة الشعرية، بسبب كثافتها وإيقاعها وقدرتها على إثارة الخيال، في بناء اتصال مباشر مع الطفل وتنمية حسه الإبداعي.
لكن حضور الشعر في مسرح الدمى لا ينبغي اختزاله في الكلمات المقفاة أو الجمل المزخرفة. فالشعرية، وفق ما طرحته الندوة، يمكن أن تظهر في الصورة والحركة والضوء والموسيقى، وفي العلاقة بين جسد الممثل والدمية، وفي المسافة التي تفصل الواقع عن العالم المتخيل فوق الخشبة.
وتناول رشيد أمحجور شعرية العرض المسرحي بوصفها امتداداً لشعرية النص، متوقفاً عند السينوغرافيا والأداء والتصور الإخراجي وعلاقة الممثل بالدمى. واعتبر أن المخيلة الشعرية لا تبقى محصورة في الكتابة، بل تتسع لتشمل مختلف المهن والعناصر التي تصنع العرض.
ومن هذا المنظور، يصبح النص نقطة البداية، وليس الشكل النهائي للعمل. فالقصيدة تمنح العرض مادته التخيلية، لكن الخشبة تعيد صياغتها من خلال الجسد والإضاءة والفضاء والموسيقى، بما يسمح ببناء تجربة مسرحية لا تعتمد على اللغة وحدها.
وركزت نزهة الجعيدي على الجوانب التقنية المصاحبة لانتقال الفكرة إلى التحقق المسرحي، ورأت أن الموجه الدرامي للعرض يؤدي دوراً مركزياً في تنظيم العلاقة بين الشعر والحركة، وفي صناعة الجانب الساحر الذي يميز مسرح الدمى.
وتعني هذه العملية أن الكتابة لا تنفصل عن معرفة أدوات العرض. فالمؤلف يحتاج إلى إدراك طبيعة الدمية وإمكاناتها الحركية، كما يحتاج المخرج إلى التعامل مع النص باعتباره مادة قابلة للتحويل والتكثيف وإعادة الترتيب وفق متطلبات الخشبة.
أما الحسن هنون، فتناول مستويات الكتابة الدرامية للمسرح عموماً، ثم للمسرح الموجه إلى الطفل، وصولاً إلى النص الخاص بفن العرائس، موضحاً أن كل مستوى يضيف شروطاً جمالية وتقنية جديدة إلى عملية التأليف.
وقدّم هنون عرضاً بالصور تناول أشكالاً مختلفة من الدمى، بينها الكركوزة والدمى الخيطية والمتحركة، موضحاً صعوبات الأداء الجسدي للممثل، وطبيعة التنسيق المطلوب بين الحركة والصوت ومسار الدمية خلال العرض.
وأظهر النقاش أن نجاح مسرح الدمى لا يعتمد على النص الجيد وحده، كما لا يمكن للتقنيات أن تعوض ضعف الكتابة. فالعمل يتطلب توازناً بين الحكاية واللغة والحركة والصورة، مع مراعاة قدرة الطفل على التلقي من دون تبسيط مخل أو خطاب تعليمي مباشر.
وتفاعل مسرحيون وشعراء ونقاد مع المداخلات، وركزت مناقشاتهم على بنية النص الدرامي ولحظة عبوره إلى الخشبة، وعلى قدرة النسق الشعري على توسيع خيال الأطفال واليافعين حين يتحول إلى صورة حية وحركة داخل فضاء العرض.
وامتد النقاش إلى واقع مسرح الدمى في المغرب، والإمكانات المتاحة لتطويره بوصفه فناً قائماً بذاته، وليس نشاطاً هامشياً موجهاً إلى الأطفال فحسب. كما طُرحت فكرة احتضان مراكش تظاهرة دولية سنوية متخصصة، تستفيد من حضور المدينة الثقافي والسياحي وخبراتها في فنون الفرجة.
وتندرج الندوة ضمن توجه دار الشعر بمراكش إلى دراسة تقاطعات الشعر مع الأجناس التعبيرية الأخرى، وفتح المجال أمام تجارب الفنانين الذين يشتغلون على مسرحة القصيدة وتحويل النص الأدبي إلى مادة قابلة للعرض.
ويكشف هذا المسار أن انتقال القصيدة إلى الخشبة ليس عملية نقل لغوي بسيطة، بل إعادة كتابة كاملة تتقاسمها الكلمة والدمية وجسد الممثل والسينوغرافيا. وفي هذه المسافة بين النص والعرض تتشكل شعرية مسرح الدمى، وتُختبر قدرته على مخاطبة الطفل من خلال الفن والخيال، لا من خلال الوعظ المباشر.