أخبار محلية

اليمن وطن واحد.. والوحدة ليست مشروعاً قابلاً للتفكيك

المنتصف نت- المنتصف نت 01/11/2026 07:24 534 مشاهدة
اليمن وطن واحد.. والوحدة ليست مشروعاً قابلاً للتفكيك

لم يكن اليمن يوماً مجرد جغرافيا جمعتها المصادفة، ولا شعباً فرضت عليه السياسة أن يعيش تحت سقف دولة واحدة. فاليمن، في امتداده التاريخي والاجتماعي والثقافي، يشكل فضاءً وطنياً متصلاً، تتداخل فيه الأنساب والروابط الاجتماعية والعادات والتقاليد، وتجمع أبناءه لغة واحدة وذاكرة تاريخية ومصالح مشتركة. وحتى الاختلافات المحلية والمناطقية التي عرفها اليمن عبر تاريخه لم تصنع شعوباً منفصلة، بل ظلت تنوعاً داخل هوية وطنية جامعة.

ولم تكن الوحدة اليمنية في الثاني والعشرين من مايو 1990 قراراً مرتجلاً أو صفقة سياسية عابرة بين قيادتين؛ فقد سبقتها عقود من التطلع إليها والعمل من أجلها، وكانت فكرة الوحدة حاضرة في أدبيات الدولتين السابقتين، كما تضمنت دساتيرهما ونصوصهما السياسية تأكيدات صريحة على وحدة اليمن أرضاً وشعباً. ولذلك جاءت الوحدة تتويجاً لمسار تاريخي وسياسي، عبّر عن تطلع شعبي راسخ، وأعاد جمع كيانين سياسيين في دولة واحدة على أساس اندماجي.

لكن الدفاع عن الوحدة لا يعني تجاهل الأخطاء التي رافقت مسيرتها، ولا إنكار المظالم والاختلالات التي أسهمت في تعميق الاحتقان وإضعاف الثقة بين أبناء الوطن. فالاعتراف بالمظالم ومعالجتها ليس تنازلاً عن الوحدة ، بل شرط أساسي لحمايتها و مهما تعاظمت الاخطاء لا تبرر العمل ضد الوحدة و من اجل اجندات خارجية للانفصال لاضعاف اليمن. 

ولا يمكن بناء دولة عادلة بإنكار حقوق مواطنيها أو التعامل مع مطالبهم المشروعة باعتبارها تهديداً للوطن و لا تتحمل الوحدة اخطاء الاخرين و الدفاع عن الوحدة واجب مقدس.

ومنذ عام 1994، أخذت الدعوات الانفصالية مسارات أكثر تنظيماً وتأثيراً، وتداخلت فيها عوامل داخلية وخارجية. ومع مرور السنوات، لم تعد القضية مجرد خلاف حول إدارة الدولة أو تصحيح مسار الوحدة، بل دخلت على خطها تدخلات إقليمية ودولية، وظّفت المال والإعلام والسلاح والتحريض السياسي والمناطقي في تغذية الانقسامات وتعميق الخصومات. وأصبح من الضروري التمييز بين المطالب الشعبية الحقيقية وبين توظيفها في مشاريع تتجاوز مصالح اليمنيين وإرادتهم.

إن أخطر ما تواجهه اليمن اليوم ليس الاختلاف في الرأي بشأن شكل الدولة أو نظام الحكم، وإنما تحويل الاختلاف السياسي إلى عداوة اجتماعية، وتحويل الانتماء المناطقي إلى هوية صراعية، وإقناع المواطن بأن أخاه في الجزء الآخر من البلاد خصم له. فهذه ليست مجرد خلافات سياسية، بل عملية تفكيك للروابط التي حافظت على تماسك المجتمع اليمني عبر أجيال طويلة.

إن الوحدة الوطنية لا تُحمى بالشعارات، ولا بالقوة، ولا بمصادرة الحقوق، وإنما بالعدالة والمواطنة المتساوية والشراكة الحقيقية وتكافؤ الفرص، وبناء مؤسسات دولة لا تحتكرها منطقة ولا تستأثر بها جماعة أو أسرة أو حزب. فاليمني في عدن كاليمني في صنعاء، وفي حضرموت كاليمني في تعز، وفي المهرة كاليمني في صعدة؛ تتساوى حقوق الجميع، ولا يجوز أن تكون الجغرافيا معياراً للمواطنة أو مدخلاً للتمييز.

ومن هنا، فإن مواجهة مشاريع التفكيك لا تكون بتخوين أبناء المحافظات أو إنكار معاناتهم، بل باستعادة ثقتهم في الدولة، والانتصار لحقوقهم، ورفض كل أشكال الهيمنة والإقصاء. كما أن رفض التدخلات الخارجية لا يكتمل إلا برفض تحويل الداخل اليمني إلى أدوات في صراعات الآخرين.

اليمن لا يحتاج إلى حواجز جديدة بين أبنائه، بل إلى مشروع وطني يعيد بناء الدولة على أسس عادلة، ويصون التنوع، ويحفظ الحقوق، ويجعل الوحدة إطاراً للشراكة لا غطاءً للاستبداد أو الاستحواذ.

إن وحدة اليمن ليست انتصاراً لمنطقة على أخرى، ولا امتيازاً سياسياً لطرف دون سواه؛ إنها حق مشترك ومسؤولية مشتركة ومستقبل مشترك. ومن يريد إنقاذ اليمن فعليه أن ينقذ فكرة المواطنة أولاً، وأن يدرك أن الأوطان لا تُبنى بتقسيم أبنائها، وأن معالجة أخطاء الوحدة تكون بإقامة دولة أكثر عدلاً، لا بهدم الروابط الوطنية التي تجمع الشعب اليمني.