إقتصاد

ارتفاع أسعار القمح يهدد الأمن الغذائي العربي.. ثلاث دول عربية في مواجهة ضغوط متزايدة

المشهد اليمني 28/09/2026 14:52 309 مشاهدة
ارتفاع أسعار القمح يهدد الأمن الغذائي العربي.. ثلاث دول عربية في مواجهة ضغوط متزايدة

تواجه الدول العربية ضغوطا متزايدة جراء ارتفاع أسعار القمح في الأسواق العالمية، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية واضطراب حركة النقل وسلاسل الإمداد، بالتزامن مع تعثر صادرات الحبوب بسبب الحرب الروسية الأوكرانية والحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، ما يرفع تكلفة واردات القمح ويزيد الضغوط على الأمن الغذائي والمالية العامة.

وتتفاوت حدة التأثير من دولة إلى أخرى، لكنها تكون أكبر في الدول الأكثر اعتمادا على الاستيراد والأقل قدرة على مواجهة ارتفاع الأسعار العالمية. ويشير البنك الدولي إلى اعتماد الدول العربية بدرجة كبيرة على الواردات لتوفير احتياجاتها الغذائية، فيما يمثل القمح المستورد أحد أبرز مكونات هذه الواردات.

وبحسب وكالة رويترز، ارتفعت أسعار شحنات القمح المعدة للتسليم في أكتوبر المقبل بنسبة 25% مقارنة بما قبل أزمة اختناق إمدادات الحبوب وتعطل حركة المرور عبر البحر الأسود، الذي يعد ممرا حيويا لتجارة المحاصيل العالمية. وتمثل روسيا وأوكرانيا معا أكثر من ربع تجارة القمح العالمية.

وتراوح سعر طن القمح الأمريكي بين 310 و330 دولارا، وفقا لبيانات البنك الدولي الصادرة في سبتمبر 2026، وسط استمرار اضطرابات الإنتاج والنقل والتصدير.

وتأتي مصر في مقدمة الدول العربية الأكثر تعرضا لضغوط سوق القمح، نتيجة اعتمادها الكبير على واردات منطقة البحر الأسود. وتتوقع منظمة الأغذية والزراعة "فاو" أن تصل واردات مصر من القمح إلى 13.5 مليون طن في موسم 2026/2027، بزيادة تقارب 8% عن المتوسط المعتاد.

وتشير توقعات المنظمة إلى احتياج الجزائر لنحو 8.5 ملايين طن من القمح المستورد، فيما تحتاج المغرب إلى نحو 5 ملايين طن، والسعودية إلى نحو 4 ملايين طن، بزيادة تقارب 3% عن متوسط السنوات الخمس الماضية. وفي العراق، تقدر توقعات واردات القمح للموسم 2026/2027 بنحو 2.2 مليون طن، بانخفاض يقارب 10% عن المتوسط المعتاد.

ويقول الأكاديمي والخبير الاقتصادي أحمد ذكر الله إن ارتفاع أسعار القمح يحمل جانبا مؤقتا مرتبطا بالتوترات الجيوسياسية واضطراب حركة التجارة من البحر الأسود، لكنه يحذر من اعتباره مجرد موجة عابرة، نظرا لحساسية أسواق القمح لأي اضطراب في الإنتاج أو النقل أو الصادرات.

وتستورد الدول العربية ما يقارب 56% من السعرات الحرارية التي تستهلكها من الحبوب، ويأتي الجزء الأكبر منها من القمح، فيما تعتمد بعض دول المنطقة على الاستيراد لتلبية كامل احتياجاتها. ومن المتوقع أن يؤدي النمو السكاني وارتفاع الدخول وتغير المناخ إلى زيادة الاعتماد على الأسواق الخارجية.

ولا يقتصر تأثير القمح على إنتاج الخبز، إذ يدخل في تصنيع الدقيق والمعكرونة والعديد من المنتجات الغذائية، ما يجعل ارتفاع أسعاره عاملا مؤثرا في تكلفة السلة الغذائية والتضخم، خصوصا في الدول التي تعاني محدودية الأراضي الزراعية والمياه.

ويقول الخبير الاقتصادي سليم بسباس إن تأثير ارتفاع أسعار القمح على التضخم في الاقتصادات العربية سيختلف من دولة إلى أخرى، لكنه سيظل ملموسا بسبب الأهمية الاستراتيجية للقمح والاعتماد بدرجات متفاوتة على الاستيراد، مشيرا إلى أن التضخم قد يرتفع بنسب تتراوح بين 1% و2% في العديد من الاقتصادات العربية، بحسب هيكل الدعم والسياسات الحكومية وفقا لموقع الجزيرة نت.

وفي الدول التي تقدم دعما واسعا للخبز والسلع الأساسية، مثل مصر وتونس والجزائر والأردن، قد لا يشعر المستهلك بالأثر الكامل للارتفاع العالمي بصورة مباشرة، إذ تتحمل الموازنات الحكومية جزءا من الصدمة. أما الدول التي لا توفر دعما واسعا، فقد تنتقل الزيادة العالمية إلى أسعار الغذاء بشكل أسرع.

وتتزايد الضغوط على الموازنات العامة مع ارتفاع تكلفة الاستيراد وفواتير دعم الخبز والمواد الغذائية، في وقت قد يؤدي فيه ارتفاع القمح بالتزامن مع أسعار الطاقة والنقل وتراجع العملات المحلية إلى موجة أوسع من التضخم.

وتبرز مصر مجددا باعتبارها حالة مهمة، إذ من المتوقع أن يصل إنتاجها المحلي من القمح إلى مستوى تاريخي يبلغ 10 ملايين طن، لكن احتياجاتها من الواردات تظل مرتفعة، مع توقع وصولها إلى 13.5 مليون طن في موسم 2026/2027.

ويرى خبراء اقتصاديون أن استمرار ارتفاع الأسعار يفرض على الحكومات العربية التركيز على تأمين الإمدادات إلى جانب البحث عن أفضل الأسعار، من خلال تنويع الموردين، وزيادة المخزونات الاستراتيجية، ودعم الإنتاج المحلي، إلى جانب حماية الفئات الأكثر هشاشة من انعكاسات ارتفاع تكلفة الغذاء.

وتشير التوقعات إلى بقاء سوق القمح العالمية عرضة لتقلبات مرتفعة خلال الأشهر المقبلة، بفعل المخاطر المناخية والجفاف والظواهر الجوية المتطرفة، فضلا عن التوترات الجيوسياسية واضطرابات التجارة الدولية.

وقد يؤدي استمرار اضطرابات الإمدادات أو ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة إلى موجة جديدة من الضغوط على أسعار الغذاء في المنطقة العربية، بينما ستواجه الأسر محدودة الدخل العبء الأكبر، نظرا لارتفاع حصة الغذاء من نفقاتها.

وتشمل الأدوات المتاحة أمام الحكومات استخدام المخزونات الاستراتيجية، وزيادة مخصصات دعم القمح والخبز، وخفض أو تعليق الرسوم الجمركية والضرائب على واردات الحبوب، وتنويع مصادر التوريد، إضافة إلى توجيه التحويلات النقدية للفئات الأكثر هشاشة.

ويبقى التحدي الأساسي أمام الدول العربية هو تحقيق توازن بين حماية القدرة الشرائية للمواطنين والحفاظ على استدامة المالية العامة، خصوصا في الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد القمح ودعم المواد الغذائية الأساسية.