في مشهد يتكرر كل يوم ولا يتوقف، تصل صناديق الموت إلى القرى اليمنية الواحدة تلو الأخرى، حاملةً جثامين شباب دُفعوا إلى محارق لا تعرف الرحمة، بينما تواصل آلة التعبئة الحوثية عملها الدؤوب: بوابات جوامع تتحول إلى منصات تحريض، ومنابر جمعة تتحول إلى مزادات لتجنيد المزيد من الضحايا، ومشائخ ولاء يبيعون أبناء القبائل بثمن بخس.
وفي مقابل هذا النزيف البشري الممنهج، تقف مدينة تعز كصخرة صلبة، تكرر رسالتها الثابتة منذ اليوم الأول: "من يقصدها محاربًا لن يعود إلا جثمانًا هامدًا". فبين جثامين لا تتوقف، وتغرير لا يتوقف، تكتب تعز نهاية كل مشروع موت حوثي على أسوارها.
استنزاف الطفولة والشباب.
أكد الأستاذ نبيل عبدالحفيظ، وكيل وزارة حقوق الإنسان، أن ما تقوم به مليشيا الحوثي يمثل "جريمة حرب مكتملة الأركان وجرائم ضد الإنسانية لا يمكن السكوت عنها"، مشيرًا إلى أن الأرقام المرعبة لأعداد الضحايا والقتلى الذين يتم زجهم في جبهات القتال تعكس استهتارًا تامًا بأرواح اليمنيين.
وأضاف عبدالحفيظ أن تحويل بوابات الجوامع والمنابر الدينية إلى منصات تحريض وتعبئة لتجنيد المغرر بهم، وخاصة صغار السن، يكشف "الوجه الحقيقي لهذه الجماعة التي لا تدرك قيمة للحياة البشرية".
وأوضح أن المنظمات الحقوقية توثق باستمرار هذه الانتهاكات الجسيمة، مؤكدًا أن التغرير بالأهالي عبر استغلال ظروفهم المعيشية الصعبة هو "الوجه الآخر للجرائم الميدانية التي ترتكبها المليشيا في مختلف المحافظات".
خطاب الكراهية.. استغلال الدين لتغذية الحرب
فسّر الدكتور علي البريهي، الأكاديمي والباحث في علم الاجتماع السياسي، الظاهرة التي تشهدها مناطق سيطرة الحوثيين في الحشد والتعبئة بأنها تعتمد بشكل أساسي على "هندسة الوعي الجمعي وتزييف الحقائق".
وأشار البريهي إلى أن استغلال الخطاب الديني ومكبرات الصوت أمام بوابات الجوامع يهدف إلى "تعطيل ملكة التفكير النقدي لدى البسطاء، ودفعهم نحو أتون معارك خاسرة لا طائل من وراها سوى خدمة مشروع سلالي ضيق".
وأكد أن هذا التدمير المنهجي للنسيج الاجتماعي اليمني يتم "برعاية ومباركة من قيادات ومشائخ ولاء، استبدلوا مصلحة الوطن والقبيلة بطاعة عمياء لمشروع الموت".
وبيّن البريهي أن المجتمع بات اليوم بحاجة ماسة إلى "ثورة وعي حقيقية لتحصين الشباب وأسرهم من شراك هذه البروباغندا المضللة التي لا تنتج سوى المآسي والترامل واليتم في كل قرية ومدينة".
تعز الصخرة.. أوهام تتحطم على الأسوار
حلّل العميد منصور الحساني، الخبير العسكري والاستراتيجي، الموقف الميداني مؤكدًا أن مدينة تعز "ضربت أروع الأمثلة في الصمود والثبات العسكري والشعبي بوجه آلة البطش الحوثية".
وأشار الحساني إلى أن المليشيا، رغم حشدها المتواصل ودفعها بالمئات من أبناء المحافظات المغرر بهم، "تصطدم دائمًا بدفاعات صلبة وإرادة يمنية لا تهان".
وأضاف أن كل المحاولات الهجومية العبثية التي تشنها عناصر المليشيا تنتهي بفشل ذريع، "لتتحول تلك الحشود إلى جثامين هامدة تُنقل في صناديق الموت نحو قراهم، بعيدًا عن الانتصارات الوهمية التي ترسمها وسائل إعلام الانقلاب".
ويؤكد الحساني أن معادلة تعز واضحة وثابتة منذ اللحظة الأولى: "من يأتي غازيًا إلى أسوار هذه المدينة الحرة لن يعود إلا جثة هامدة، لتبقى تعز المقبرة الحصينة لكل مشاريع الاستبداد".
مشائخ الدمار.. بيع الدماء بثمن بخس
تطرّق الشيخ عبدالرحمن المخلافي، الوجيه الاجتماعي والشخصية القبلية، بمرارة بالغة إلى الدور المشؤوم الذي تلعبه بعض الشخصيات القبلية والمشائخ الموالين لمليشيا الحوثي في الدفع بأبناء القبائل إلى المحارق.
وأكد المخلافي أن هؤلاء المشائخ "تجردوا من كل الأعراف والمكارم القبلية التي تحرّم الغدر وتصون أرواح الناس، ليتحولوا إلى سماسرة موت يتقاضون أثمانًا رخيصة مقابل كل مقاتل جديد يرسلونه إلى جبهات القتال".
وأضاف أن الصدمة الكبرى تكمن في "مشاهد الاستقبال المتكررة لجثامين الشباب القادمين من القرى، بينما ينعم أولئك المشائخ بمكاسبهم الخاصة".
ووجّه المخلافي نداءً صادقًا لكل أبناء القبائل والأهالي بضرورة "الوعي الكامل والرفض القاطع لهذه الدعوات المضللة، وحماية أبنائهم من أن يكونوا وقودًا لحروب عبثية لا علاقة لها بمصلحة اليمن وأهله".
المأساة الإنسانية.. صمت مخزي وبروباغندا
سلّطت الناشطة والباحثة وداد البدوي، الضوء على البعد الإنساني الموجع لهذه الظاهرة، مشيرة إلى أن "خلف كل جثمان يصل إلى القرى قصة عائلة كاملة تحولت حياتها إلى كابوس مستمر".
وأوضحت البدوي أن المليشيا تواصل تضليل الرأي العام عبر "ترويج انتصارات وهمية مصطنعة في وسائل الإعلام، بينما الواقع على الأرض يعكس هول الخسائر الإنسانية وتكدس الجثامين في المستشفيات والمقابر المستحدثة".
وأشارت إلى أن دور الصحافة والإعلام الحقيقي هو "تعرية هذه الممارسات الإجرامية، وفضح آليات التغرير المتبعة أمام الجوامع وفي المجالس الخاصة".
وأكدت البدوي أن الأمهات اليمنيات اللاتي يفقدن أبناءهن بلا غاية وطنية حقيقية "يقع على عاتقهن، ومعهن كل الشرفاء، رفع الصوت عاليًا لرفض هذا الاستنزاف البشري الممنهج الذي تمارسه الجماعة بلا رادع أخلاقي أو إنساني".
جرائم لا تسقط بالتقادم
استعرض المحامي خالد المخلافي، الناشط الحقوقي، الجانب القانوني والحقوقي لهذه الانتهاكات الفادحة، مؤكدًا أن ما تقوم به مليشيا الحوثي "يندرج تحت طائلة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وفقًا للقوانين المحلية والدولية".
وأشار المخلافي إلى أن تجنيد الأطفال والزج بالبسطاء المغرر بهم عبر خطب التعبئة المضللة أمام الجوامع يمثل "خرقًا صارخًا لكل المواثيق الدولية التي تحمي المدنيين في زمن النزاعات المسلحة". وأضاف أن كل المتورطين في عمليات التحريض والتجنيد من قيادات ومشائخ "سيطالهم العقاب القانوني عاجلًا أم آجلًا، ولن تسقط هذه الجرائم بالتقادم". واختتم المخلافي بالتأكيد على أهمية "توثيق كافة الانتهاكات ورفع الملفات للجهات القضائية الدولية لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب، وإنصاف آلاف الضحايا وأسرهم المكلومة في تعز وعموم اليمن".
الخلاصة
إن استمرار الدفع بالبسطاء إلى محارق تعز عبر منابر التعبئة وتواطؤ مشائخ الدمار يكشف الوجه الحقيقي لمليشيا الحوثي ومشروعها المدمر الذي لا يكترث بدماء اليمنيين ولا بحياة أبنائهم. ورغم هول التضحيات، يظل صمود تعز وثبات أبنائها الرد الأقوى والأبلغ، مسطرين بدمائهم درسًا بليغًا بأن أرض السعيدة لن تهان، وبأن مصير كل غازٍ هو الفناء على أسوار الكبرياء والصمود، لتتحطم كل الانتصارات الوهمية على صخرة الحقائق الميدانية على الأرض.