تاريخ النشر: 25.09.2026 | 11:53 GMT
يوافق اليوم ذكرى تأسيس الحصن الذي كان النواة الأولى لياكوتسك، بعدما أقامه القوزاق على ضفة نهر لينا عام 1632، قبل أن ينتقل لاحقا بسبب الفيضانات.
لم تكن ياكوتسك، قبل نحو أربعة قرون، أكثر من حصن خشبي صغير على نهر لينا، لكن الموقع الذي اختير في خريف عام 1632 أصبح نقطة البداية لمدينة ستتحول مع مرور الزمن إلى عاصمة جمهورية ساخا (ياكوتيا) وأحد أبرز مراكز شمال شرق سيبيريا.
في 25 سبتمبر 1632، أسس القوزاق بقيادة السوتنيك بيوتر بيكيتوف حصنا على الضفة اليمنى لنهر لينا، على بُعد نحو 70 كيلومترا أسفل مجرى النهر من موقع ياكوتسك الحالية. وعُرف الحصن باسم "لينسكي أوستروغ" أو "ياكوتسكي أوستروغ"، ويُعد هذا التاريخ في المصادر الروسية تاريخ تأسيس ياكوتسك وبداية إقامة الوجود الإداري الروسي في المنطقة.
وجاء بناء الحصن في إطار مهمة بيكيتوف لاستكشاف أراضي حوض نهر لينا وجمع "الياساك"- وهي ضريبة كانت تُفرض على بعض شعوب سيبيريا، إلى جانب إقامة علاقات مع سكان المنطقة. وخلال ربيع وصيف 1632، أجرى بيكيتوف ورجاله اتصالات مع عدد من أمراء الياكوت، أدى بعضها إلى أداء قسم الولاء للقيصر ودفع الياساك، قبل أن يبدأ القوزاق في سبتمبر بناء التحصين.
وفي تقريره إلى القيصر ميخائيل فيودوروفيتش، ذكر بيكيتوف أنه أقام مع رجاله الحصن في 25 سبتمبر على نهر لينا من أجل جمع الياساك واستقبال سكان المنطقة، مشيرا إلى عدم وجود حصن تابع للدولة الروسية على نهر لينا أو في أرض الياكوت قبل ذلك.
كان التحصين في بدايته منشأة صغيرة، لكن موقعه سرعان ما منحه أهمية متزايدة. ففي عام 1633، وصل إلى الحصن أتامان القوزاق إيفان غالكين مع مجموعة من الرجال، وبحلول ذلك العام بلغ عدد الموجودين في الحصن والمستوطنات المحيطة به نحو 200 شخص، بينهم قوزاق وتجار وصيادون وأفراد من عائلاتهم.
غير أن الحصن واجه منذ سنواته الأولى مقاومة من بعض جماعات الياكوت. ففي شتاء 1634، هاجم أكثر من 700 مقاتل من المنطقة المحيطة بالحصن، ثم فرضوا حصارا على التحصين الذي كان بداخله نحو 80 من أفراد الحامية. واستمر الحصار من يناير حتى مارس، قبل أن ينتهي نتيجة خلافات وتردد بين الأمراء المشاركين فيه.
ولم تكن المواجهات وحدها ما هدد مستقبل الحصن الأول، إذ سرعان ما ظهر تحدٍ آخر فرضته طبيعة المنطقة نفسها. فقد كانت فيضانات الربيع تغمر الموقع القريب من نهر لينا، ما دفع القائمين على الحصن إلى نقله أكثر من مرة بحثا عن موقع أكثر أمانا.
وفي عام 1643، استقر الحصن في موقع جديد أقرب إلى موقع ياكوتسك الحالية، على الضفة اليسرى لنهر لينا، في منطقة وادي تويمادا بالقرب من بحيرة سايساري. وفي أبريل من ذلك العام بدأت أعمال بناء التحصين الجديد بإشراف أليكسي بيداريف، بمشاركة نحو 40 من أفراد الخدمة، واكتمل البناء بحلول الصيف.
وكان الحصن الجديد أكثر اتساعا من سابقه، وضم أبراجا ومخازن ومبان إدارية ودينية، إلى جانب مستودعات لحفظ الفراء، الذي كان يمثل موردا اقتصاديا مهما في سيبيريا خلال تلك الفترة.
ومن هذا الموقع بدأت ملامح المدينة الدائمة في الظهور. ولم يعد الحصن مجرد نقطة عسكرية على نهر لينا، بل تحول تدريجيا إلى مركز للسكان والتجارة والإدارة، فيما عززت أهميته الإدارية مكانته عندما أصبحت ياكوتسك عام 1638 مركزا إداريا لياكوتيا.
ومع مرور العقود، توسعت المستوطنة حول الحصن وتحولت إلى مركز سياسي واقتصادي وثقافي للمنطقة. وأصبح موقعها على نهر لينا عنصرا أساسيا في نموها، إذ وفر النهر وسيلة رئيسية للحركة والنقل والتجارة في بيئة سيبيرية شاسعة وصعبة الوصول.
وتختصر قصة تأسيس ياكوتسك جانبا من طبيعة نشأة المدن السيبيرية في القرن السابع عشر؛ فقد بدأت كثير منها بتحصينات خشبية صغيرة ارتبط وجودها بالأنهار وطرق الاستكشاف والتجارة، ثم تحولت تدريجيا إلى مراكز سكنية وإدارية دائمة. وفي حالة ياكوتسك، كان الانتقال من الموقع الأول إلى موقع أكثر أمانا بسبب الفيضانات خطوة حاسمة في تحول الحصن إلى مدينة.
واليوم، تُعد ياكوتسك من أقدم مدن سيبيريا والشرق الأقصى الروسي، كما تندرج ضمن قائمة المدن التاريخية في روسيا. وبعد قرابة أربعة قرون على تأسيس حصنها الأول، ما زال نهر لينا حاضرا في هوية المدينة، التي بدأت في 25 سبتمبر 1632 بتحصين خشبي صغير، قبل أن تتطور إلى عاصمة جمهورية ساخا (ياكوتيا).
المصدر: RT