في تطور نوعي يدمج تقنيات الثورة الصناعية الرابعة بساحات القتال التقليدية، كشفت شركة "أنثروبيك" (Anthropic) الأميركية الرائدة في مجال تقنيات الذكاء الاصطناعي أن مجموعة مسلحة تنشط في شمال اليمن، حيث يسيطر الحوثيون المدعومون من إيران، قد استلهمت وطورت قدراتها العسكرية عبر استغلال نموذج الشركة الخاص المعروف بـ"كلود" (Claude) للمساهمة في دعم وتطوير أنظمة صاروخية متقدمة.
ويسلط هذا الكشف الخطير الضوء على تنامي المخاوف الأمنية العالمية بشأن المخاطر الجسيمة المترتبة على سهولة وصول الكيانات غير الحكومية والجماعات المسلحة إلى أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة واستخدامها في البرامج العسكرية المحظورة، مما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة ومعقدة من حروب التكنولوجيا والهندسة العكسية للأسلحة الاستراتيجية.
وقالت شركة "أنثروبيك" في أحدث تقاريرها المتخصصة عن رصد سوء استخدام الذكاء الاصطناعي ومكافحته، والذي نُشر يوم أمس الخميس، إن العناصر المجهولة التي تقف خلف هذه العمليات كانت تعمل بشكل حثيث على ثلاثة مشاريع أسلحة متطورة في آنٍ واحد؛ شملت تصميماً صاروخياً موجهاً، وصاروخاً باليستياً استراتيجياً يبلغ مداه المزعوم أكثر من ألفي كيلومتر، إلى جانب مجموعة صواريخ أخرى تُعرف برمجياً باسم "آر 2000".
ووفقاً لما أوردته وكالة "بلومبرغ" للأنباء نقلا عن التقرير التقني، استخدمت المجموعة التي تتخذ من الأراضي اليمنية مقراً لها نموذج "كلود" للمساعدة الفنية في تطوير وتصحيح برامج التوجيه والملاحة وأنظمة التحكم الآلي، ليقوم النظام الذكي فعلياً ببعض المهام الهندسية المعقدة التي عادة ما يؤديها مهندسو البرمجيات المتخصصون.
والأكثر إثارة للقلق هو لجوء تلك العناصر إلى أساليب تضليل رقمي متقدمة، حيث قامت بتقسيم العمل عبر مئات جلسات المحادثة المنفصلة مع الذكاء الاصطناعي، وعمدت إلى إخفاء الطبيعة العسكرية البحتة لمشاريعها بعناية فائقة بغية تجاوز مرشحات الأمان وتجنب الرصد الآلي للأنظمة.
استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير الصواريخ يكشف عن سقوط الحواجز التقنية التقليدية، محولا البرمجيات المتاحة إلى مهندس خفي بخدمة الجماعات المسلحة
ويأتي هذا الإعلان الصادر عن إحدى أكبر شركات الذكاء الاصطناعي في العالم في وقت تواصل فيه قوات ومسلحو الجماعة الحوثية شن هجمات متكررة ومكثفة باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة ضد السفن التجارية وناقلات النفط في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهو الممر التجاري والحيوي العالمي الأبرز الذي تمر عبره نسبة هائلة من إمدادات الطاقة والسلع الدولية.
وتربط التقارير الأمنية والاستخباراتية بين القدرات الصاروخية المتنامية للجماعة وبين محاولاتها المستمرة لتعويض الفجوة التقنية عبر اللجوء إلى حلول برمجية ذكية ومفتوحة نسبياً، مما يزيد من تعقيد المشهد الميداني ويضاعف من المخاطر التي تهدد أمن الملاحة الدولية وسلامة خطوط التجارة العالمية في واحدة من أكثر مناطق العالم اشتعالاً.
وفي سياق تقييم مدى نجاح هذه المحاولات التقنية، أوضحت شركة "أنثروبيك" في تقريرها أن المجموعة التي كشفت عنها في اليمن نفذت بالفعل تجربة صاروخية حية على الأرض، وطلبت في وقت لاحق مساعدة ملحة من نموذج "كلود" لتشخيص ما بدا أنه خلل أو فشل تقني رافق عملية الإطلاق.
ومع ذلك، حرصت الشركة على التأكيد بأن فرق المتابعة الأمنية التابعة لها لم تجد حتى الآن أي أدلة ملموسة تثبت أن هذه الجهود البرمجية الهادفة قد أسفرت بالفعل عن إنتاج سلاح متكامل أو جاهز للاستخدام العملياتي الفعلي، مشيرة إلى أن النظام تمكن من رصد النشاط المبكر وتعطيل الثغرات المرتبطة به.
غير أن مجرد محاولة استغلال الذكاء الاصطناعي في هندسة الصواريخ الباليستية يمثل جرس إنذار حقيقي يعيد طرح تساؤلات كبرى حول مدى كفاءة الأطر التنظيمية الحالية للسيطرة على تداول التقنيات المتقدمة.
يكشف استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير الصواريخ اليمنية عن سقوط الحواجز التقنية التقليدية، محولاً البرمجيات المتاحة إلى مهندس خفي بخدمة الجماعات المسلحة، مما يفرض على عمالقة التكنولوجيا إعادة هندسة ضوابط الأمان العسكري.
تؤكد هذه المعطيات المتشابكة أن عصر حصر التكنولوجيا العسكرية المتقدمة داخل مختبرات الدول الكبرى قد انتهى فعلياً، إذ باتت الكيانات من غير الدول قادرة على تطويع خوارزميات الذكاء الاصطناعي التوليدي لخدمة أغراض تسليحية معقدة.
يشكل لجوء أطراف نزاع إقليمية إلى تقنيات "أنثروبيك" تحديا مباشرا لسياسات الشركات التقنية في سيليكون فالي، ويضعها أمام مسؤوليات أخلاقية وقانونية جسيمة تتعلق بضرورة تطوير آليات رصد استباقية تحول دون تحول برمجيات الرفاهية الرقمية إلى عقول إلكترونية تدير الحروب وتطور أسلحة الدمار والتوجيه عن بعد، وهو ما يستدعي بالضرورة صياغة معاهدات دولية ملزمة تنظم أمن الذكاء الاصطناعي العسكري قبل فوات الأوان.