لم تعد التطورات العسكرية المتسارعة في اليمن مجرد جولة جديدة من جولات الكر والفر، بل تبدو أقرب إلى انتقال نوعي في طبيعة الحرب وقواعد الاشتباك، فمنذ مطلع سبتمبر، اتسعت رقعة المواجهات من تعز والساحل الغربي إلى البيضاء والجوف ومأرب، بالتزامن مع انتقال القوات الحكومية من محاولة احتواء الهجمات الحوثية إلى تنفيذ هجمات مضادة وفتح محاور جديدة للضغط على الجماعة.
لكن التطور الأكثر دلالة أن الحرب بدأت تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية بصورة أكثر وضوحاً، ففي فجر الثلاثاء 8 سبتمبر 2026م، شنت جماعة الحوثي هجمات بالصواريخ والمسيّرات استهدفت مدناً ومنشآت حيوية في جنوب المملكة العربية السعودية، بينها أبها وخميس مشيط ونجران وجازان، ما أدى إلى إصابة عشرات المدنيين واندلاع حرائق في مرافق حيوية، بينها منشآت للطاقة ومصفاة جازان، ويكشف هذا التصعيد أن الجماعة لا تتعامل مع اتساع الضغط العسكري عليها باعتباره معركة داخلية فحسب، بل تحاول نقل جزء من كلفته إلى الإقليم وفتح مسرح أوسع للاشتباك.
لذلك لم يعد السؤال فقط من يسيطر على هذه المنطقة أو تلك؟ بل أصبح السؤال الأوسع هل نحن أمام إعادة تشكيل لخريطة الحرب تمهيداً لمعركة استراتيجية جديدة تمتد من جبال اليمن إلى باب المندب والبحر الأحمر والحدود السعودية؟
من امتصاص الهجوم إلى المبادرة وتحول في الاستراتيجية
خلال الأيام الأولى من التصعيد، يحاول الحوثيون استغلال عنصر المفاجأة بفتح جبهة واسعة في تعز والساحل الغربي، ومحاولة قطع الطرق الرابطة بين تعز والمخا، في مسعى لعزل المدينة عن منفذها البحري وتهديد خطوط الإمداد، لكن القوات الحكومية لم تبقَ في موقع الدفاع، بل انتقلت إلى هجمات مضادة، بالتزامن مع ضربات جوية استهدفت تجمعات ومواقع وآليات ومنصات إطلاق، وأعلنت تحقيق تقدم في عدد من المواقع، فيما أفادت تقارير عن استعادة القوات الحكومية مواقع بينها كامل أرياف مديرية حيس في الحديدة والاتجاه نحو تحرير مديرية الجراحي وغيرها من مديريات السهل التهامي لمحافظة الحديدة.
إن هذا التحول من الدفاع إلى الهجوم المضاد يمثل أحد أهم المؤشرات على تغير الحسابات العسكرية، فلم يعد الهدف مجرد المحافظة على خطوط التماس، وإنما استثمار اندفاعة الخصم لإعادة توزيع الضغط عليه وفتح محاور تجبره على تشتيت قواته واحتياطاته، وهنا تكمن أهمية المرحلة الحالية، فالقوة العسكرية لا تُقاس فقط بحجم القوات الموجودة في الجبهة، وإنما بقدرتها على المناورة وإعادة الانتشار والمحافظة على خطوط الإمداد عندما تتزامن الضغوط في أكثر من اتجاه.
لماذا يكون البعد البري الاستراتيجي في محافظات البيضاء والجوف وحجة؟
إذا كانت تعز والساحل الغربي يمثلان أحد أهم أبعاد المعركة البحرية والاستراتيجية، فإن البيضاء والجوف وحجة تمثل أبعاداً برية بالغة الحساسية، فالجوف ليست مجرد محافظة حدودية، بل تقع في موقع يفتح اتجاهات نحو مناطق حوثية أكثر عمقاً في الشمال، فيما تجعل طبيعة اتصالها الجغرافي الضغط عليها ذا أهمية خاصة في حسابات الحركة والإمداد.
أما محافظة البيضاء، فتمثل أهمية استراتيجية كبيرة لثلاثة أسباب رئيسية:
أولاً: موقعها الجغرافي الفريد، فهي تقع في نهاية الهضبة الجبلية الثانية في اليمن (جبال السرو)، وما بعدها ينخفض الساحل باتجاه ساحل أبين والبحر، مما يجعلها منطقة جبلية مهمة تطل على بحر العرب وتضم مواقع مناسبة للمراقبة ورصد السفن واستهدافها، كما أن موقعها الوسطي يجعلها نقطة اتصال بين ثماني محافظات، أربع منها جنوبية وأربع شمالية، وهذا الموقع يمنحها أهمية كبيرة في ربط شبكات التهريب بين البحرين الأحمر والعربي، والاستفادة منها في نقل الأسلحة والمعدات.
ثانياً: أهميتها العسكرية والعملياتية، فالسيطرة على البيضاء تمنح القدرة على الضغط على محاور متباعدة بحدود ثمان محافظات، وتجبر الحوثيين على إعادة توزيع قواتهم بين جبهات متعددة، مما يختبر قدرة الجماعة على الاحتفاظ بمبادرة عسكرية في ظل اتساع مساحة الاشتباك.
ثالثاً: البعد السياسي والسلالي، إذ ترى الجماعة في البيضاء خصماً تاريخياً لمشروعها السلالي، وتسعى إلى السيطرة عليها وترويضها، مما يجعل المعركة فيها ذات أبعاد تتجاوز المكاسب العسكرية المباشرة.
وفي الشمال الغربي، تبرز محافظة حجة كعنصر استراتيجي لا يقل أهمية، فهي تمتلك سواحل بحرية ممتدة من الحدود السعودية شمالاً حتى حدود محافظة الحديدة جنوباً، مما يمنحها بعداً بحرياً حساساً يمكن أن يغير معادلات الإمداد والتهريب على طول الساحل الغربي، كما أن مناطقها الجبلية الممتدة باتجاه محافظة صعدة (معقل المليشيات الحوثية) والتي تشكل بوابة برية حساسة يمكن من خلالها الضغط على العمق الحوثي من اتجاه الشمال الغربي، وتفتح إمكانية الالتفاف على التحصينات الجبلية حول صنعاء من جهة الشمال، وبالتالي فإن أي تقدم نحو تحرير حجة لن يكون مجرد مكسب محلي، بل سيمثل تغييراً في المعادلة الجغرافية للصراع برمته، مما قد يعيد تشكيل خريطة المواجهات ويفرض على الحوثيين قتالاً على جبهة جديدة تحمل أبعاداً بحرية وجبلية في آن واحد.
وقد أعلنت القوات الحكومية خلال الأيام الأخيرة تحقيق تقدم في محاور بالبيضاء والجوف، فيما تحدثت تقارير عن معارك حول مواقع في الجوف واتجاهات نحو جبال اللبينات ومعسكر الخنجر واليتمه في مديرية الشعث والخب، وعن تقدم في مناطق بالبيضاء، مع بقاء كثير من هذه التطورات الميدانية محل روايات متباينة لكنها ايضا تدل على تقدم واضح لقوات الحكومة الشرعية على حساب مليشيات الحوثي المدعومة ايرانيا، والهدف من فتح هذه الجبهات بما فيها جبهة حجة المحتملة قريبا في مناطق من حرض و ميدي وليس بالضرورة تحقيق اختراق سريع باتجاه صنعاء، وإنما إجبار الحوثيين على القتال في أكثر من اتجاه، ومنعهم من تركيز قوتهم في جبهة واحدة وهي تعز والساحل الغربي وصولاً إلى باب المندب، وهذه النقطة تحديداً قد تكون أهم من أي تقدم جغرافي محدود، لأنها تختبر قدرة الجماعة على الاحتفاظ بمبادرة عسكرية في ظل اتساع مساحة الاشتباك.
البعد البحري: تعز والساحل الغربي ومعركة باب المندب في سياق التصعيد الإقليمي
تبقى تعز والساحل الغربي قلباً مهماً للمعركة الحالية، فالهجوم الحوثي على غرب تعز ارتبط بمحاولات الاقتراب من الطرق المؤدية إلى المخا والساحل وصولاً إلى باب المندب، بما يمكن أن يؤثر في خطوط الإمداد والحركة بين تعز والواجهة البحرية، وقد أشارت تقارير إلى محاولات حوثية لقطع الطريق الرابط بين تعز والمخا وعزل المدينة عن الساحل.
وتزداد أهمية هذا المحور بسبب قربه من باب المندب، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية الدولية باتجاه قناة السويس، ويرتبط مباشرة بأمن الملاحة والتجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، وهنا يأتي البعد الأوسع للأزمة، إذ يتزامن التصعيد في اليمن مع اشتداد التوتر في مضيق هرمز، مما يضع الممرات المائية الاستراتيجية في المنطقة تحت ضغط مضاعف، فبينما يشكل باب المندب بوابة الجنوب للملاحة العالمية ويربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس، فإن مضيق هرمز يمثل شريان الخليج وممراً حيوياً لتصدير النفط الخليجي، وأي تهديد لأحدهما ينعكس مباشرة على الآخر في معادلة الأمن البحري الإقليمي، فالتصعيد في جبهة اليمن والبحر الأحمر لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي الأوسع الذي يشهد تنافساً محموماً على الممرات المائية، مما يحول البحر الأحمر وباب المندب إلى نقطة التقاء حساسة بين الحرب في اليمن والصراع الإقليمي على طرق التجارة والطاقة.
ومن هنا فإن معركة الساحل الغربي لا يمكن قراءتها باعتبارها معركة محلية على قرى أو طرق فحسب، بل باعتبارها جزءاً من صراع أوسع على الممرات الاستراتيجية، ومع كل ذلك، فإن الاقتراب من باب المندب أو تهديده لا يتحقق بهجوم خاطف، وإنما يحتاج إلى السيطرة على سلسلة من المناطق والطرق والمرتفعات والمواقع الدفاعية، وهو ما يجعل المعركة في هذا المحور طويلة ومعقدة.
هل تعدد الجبهات يستنزف الحوثيين؟
هذه هي المعادلة الأهم في التصعيد الحالي، فإذا تمكنت القوات الحكومية من إبقاء الضغط متزامناً في تعز والساحل والبيضاء والجوف ومأرب، مع فتح جبهة حجة كخيار استراتيجي يضغط على معقل الحوثيين في صعدة من الغرب والشمال الغربي، فإن الحوثيين سيواجهون اختباراً صعباً في توزيع الاحتياط وإعادة الانتشار.
فعندما تتعدد الجبهات، تصبح القيادة العسكرية أمام خيارات صعبة: أي جبهة تعزز؟ وأيها يمكن تحمل خسارتها مؤقتاً؟ وكيف تنقل القوات والذخائر من محور إلى آخر من دون كشف محاور أخرى؟
لكن المبالغة في تقدير أثر تعدد الجبهات قد تكون خطأً استراتيجياً، فالحوثيون قد راكموا خبرة في إدارة حرب متعددة المحاور، وما زالوا يمتلكون قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة تسمح لهم بتوسيع دائرة الاشتباك خارج خطوط المواجهة البرية، لذلك فإن استنزافهم لا يتحقق بمجرد فتح جبهات جديدة، وإنما بقدرة الخصم على استمرار الضغط ومنعهم من إعادة تنظيم صفوفهم واستعادة زمام المبادرة وخنقهم اقتصادياً وبخاصة سلبهم موانئ البحر الأحمر.
التصعيد الإقليمي: عندما تتحول الصواريخ والمسيّرات إلى أداة لتوسيع الحرب
الهجمات الحوثية الأخيرة على جنوب السعودية تضيف بعداً جديداً إلى المعركة، فاستهداف أبها وخميس مشيط ونجران وجازان والمنشآت الحيوية، وإصابة عشرات المدنيين واندلاع حرائق في مرافق للطاقة، يوضح أن الجماعة تحاول استخدام الصواريخ والمسيّرات كوسيلة لرفع كلفة الحرب خارج الأراضي اليمنية؛ وقد يكون الهدف من ذلك دفع خصومها إلى توزيع قدراتهم بين الجبهات الداخلية في اليمن ومتطلبات الدفاع عن الأراضي والمنشآت السعودية، بما يخفف الضغط العسكري على الحوثيين داخل اليمن، لكن هذا الخيار يحمل في الوقت نفسه مخاطرة كبيرة؛ إذ إن توسيع دائرة الاستهداف قد يؤدي إلى رد عسكري أوسع، ويمنح الخصوم دافعاً إضافياً لاستهداف منصات الإطلاق ومراكز القيادة ومخازن السلاح وشبكات الإمداد، وهنا تظهر حدود القوة الصاروخية والمسيّرات وغيرها من الإمكانيات العسكرية، فهي قادرة على الإرباك والاستنزاف ورفع الكلفة السياسية والاقتصادية، لكنها لا تستطيع وحدها السيطرة على المدن والطرق والمرتفعات والموانئ، ولذلك تبقى المعادلة البرية هي العامل الحاسم في تحويل التفوق الناري إلى تغيير استراتيجي.
فهل أصبح الحديث عن استعادة صنعاء أكثر واقعية؟
اتساع محاور القتال يجعل الحديث عن صنعاء أكثر حضوراً في الحسابات العسكرية، لكنه لا يعني أن استعادتها أصبحت عملية قريبة أو سهلة، فصنعاء محاطة بتضاريس جبلية معقدة، وتتمتع الجماعة بخبرة طويلة في التحصين والدفاع والاستفادة من الطبيعة الجغرافية.
غير أن الجديد في المرحلة الحالية هو أن الضغط بات يُنظر إليه من أكثر من اتجاه: الجوف من الشمال الشرقي، والبيضاء من الوسط، ومأرب من الشرق، وتعز والساحل التهامي من الجنوب والجنوب الغربي، وإذا أضفنا إلى ذلك إمكانية الضغط من محافظة حجة غرباً من جبهة حرض وميدي، فإن خيارات الالتفاف على صنعاء تتسع، فحجة بموقعها الجبلي الممتد حتى حدود صعدة التي تشكل عمقاً استراتيجياً يمكن أن يفتح محوراً جديداً للضغط على العاصمة من الشمال الغربي، مما قد يربك حسابات الدفاع الحوثية ويجبرها على توزيع قواتها على محاور إضافية، وإذا نجحت هذه المحاور المتعددة في العمل ضمن استراتيجية متكاملة وبتنسيق عملياتي موحد، فقد تتحول صنعاء تدريجياً من الهدف السياسي الأساسي البعيد إلى جزء من معادلة الضغط العسكري، لكن الوصول إلى صنعاء لا تحسمه الخريطة وحدها، ولكل هذا فإن المطلوب هو انهيار تدريجي في قدرة الخصم على الإمداد والمناورة والاحتفاظ بالمواقع، مع امتلاك القوات المهاجمة خطوط إمداد آمنة وقدرة على تثبيت المناطق التي تستعيدها، وليس مجرد تحقيق اختراقات مؤقتة.
فالكلفة البشرية مؤشر على حجم التصعيد الذي لا يمكن قراءته بعيداً عن آثارها الإنسانية، فمنذ منتصف أغسطس 2026م، تجاوز عدد القتلى والجرحى المئات من الاشخاص وفق بيانات لمنظمة الصحة العالمية، فيما نزح آلاف الأشخاص من مناطق القتال في تعز و الحديدة باتجاه المناطق المحررة و المسيطر عليها من القوات الحكومية الشرعية خلال فترة قصيرة نتيجة التصاعد الكبير للمعارك، حيث تكشف هذه الأرقام حجم الكلفة التي يدفعها المدنيون مع اتساع رقعة المواجهات، فمع اتساع رقعة الجبهات، لا تزداد الخسائر البشرية فحسب، بل تتضاعف احتمالات النزوح وتعطّل الطرق وتضرر البنية التحتية، ولذلك فإن أي تحول عسكري كبير سيظل ناقصاً ما لم يتحول إلى مسار قادر على إنهاء دورة الحرب وفتح المجال أمام معالجة آثارها الإنسانية والسياسية.
خلاصة القول: هل نحن أمام معركة فاصلة؟
السؤال الأهم هو ليس ما إذا كانت المعارك ستتوقف خلال أيام، وإنما هل ستؤدي هذه الجولة إلى تغيير قواعد اللعبة؟
المؤشرات الحالية تدفع باتجاه مرحلة مختلفة: اتساع الجبهات، انتقال القوات الحكومية من الاحتواء إلى الهجوم المضاد، دخول البيضاء والجوف بقوة إلى مسرح العمليات، تصاعد القتال في تعز والساحل، وتوسّع استخدام الصواريخ والمسيّرات إلى استهداف الأراضي والمنشآت السعودية، لكن وصف هذه الجولة بأنها «المعركة الفاصلة» يحتاج إلى قدر من التحفظ، فالمعركة الفاصلة لا تُقاس بعدد الجبهات التي اشتعلت، وإنما بقدرة أحد الطرفين على تحويل التقدم العسكري إلى تغيير دائم في ميزان القوة، وإضعاف قدرة الخصم على القتال وإعادة الانتشار واستعادة المبادرة.
وإذا تمكنت القوات الحكومية من الحفاظ على الزخم وربط المحاور المختلفة ضمن استراتيجية واحدة لتحرير محافظات وازنة مثل البيضاء لما لها من أهمية استراتيجية كبرى كما أسلفنا وكذلك إذا تم التقدم في محافظة حجة التي تشكل بامتدادها الساحلي من الحدود السعودية حتى الحديدة، وبمناطقها الجبلية المتجهة نحو صعدة معقل مليشيات الحوثي الإرهابية، عاملاً حاسماً في الضغط على معقل الحوثيين وفتح جبهة التفاف على صنعاء من الشمال الغربي، فقد نشهد تحولاً استراتيجياً حقيقياً في مسار الحرب، أما إذا تمكن الحوثيون من امتصاص الضربة وإعادة تنظيم قواتهم، مع استمرار قدرتهم على استخدام الصواريخ والمسيّرات وفتح جبهات خارجية، فقد تتحول الجولة إلى حرب استنزاف أوسع وأكثر عنفاً.
والأخطر أن التصعيد ضد السعودية قد يفتح مساراً جديداً للحرب، فإذا كان الهدف الحوثي هو تخفيف الضغط الداخلي عبر نقل المعركة إلى الخارج، فقد ينجح مؤقتاً في تشتيت الانتباه والموارد، لكنه قد يحقق النتيجة المعاكسة إذا أدى إلى رد إقليمي أوسع يضاعف الضغط العسكري على الجماعة، وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية:
الحوثيون يحاولون توسيع مسرح الحرب من اليمن إلى البحر الأحمر والسعودية، بينما تحاول القوات الحكومية نقل المعركة إلى عمق المناطق الخاضعة للحوثيين وفتح محاور متعددة حولها، وبين هذين المسارين تتحدد ملامح المرحلة المقبلة.
لذلك، فإن المعركة الفاصلة لن تحسمها كثافة النيران وحدها، ولا عدد الصواريخ التي تُطلق، ولا عدد الجبهات التي تشتعل، وإنما القدرة على الجمع بين الجغرافيا والقوة العسكرية واللوجستيات والقدرة على المناورة، وتحويل الانتصارات التكتيكية إلى تغيير استراتيجي مستدام، وقد تكون هذه هي اللحظة التي ينتقل فيها الصراع اليمني من مجرد حرب على خطوط تماس متغيرة إلى صراع على إعادة تشكيل الخريطة العسكرية والسياسية للبلاد. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن السؤال لم يعد فقط:من يربح معركة هنا أو يخسر أخرى هناك؟
بل من يستطيع فرض المعادلة الجديدة، ومن يملك القدرة على الاستمرار عندما تتحول الحرب إلى اختبار شامل للصمود والمناورة والاستنزاف، في وقت باتت فيه رقعة الصراع تمتد إلى ما وراء الحدود.
*أكاديمي ومحلل سياسي يمني