أخبار محلية

اليمن بين الخوف والرجاء: قراءة في المشهد اليمني والمعركة القادمة

المنتصف نت- المنتصف نت 14/08/2026 10:40 331 مشاهدة
اليمن بين الخوف والرجاء: قراءة في المشهد اليمني والمعركة القادمة

الخوف على اليمن في هذه المرحلة ليس تشاؤماً مزمناً، بل هو نتيجة طبيعية أمام مشهد شديد التعقيد. لكنني لا أرى أن سقوط اليمن بيد مليشيات الحوثي وإيران أصبح قدراً محتوماً، فالتاريخ اليمني يثبت أن هذا البلد قادر على إنتاج مفاجآت لا تخطر على بال أحد.

المؤشرات الأخيرة تقول إن الخطر ارتفع فعلاً؛ فقد وسّع الحوثيون التصعيد إلى محافظات وجبهات عديدة تشمل مأرب وحضرموت وتعز والضالع والساحل الغربي، وامتد نشاطهم إلى ميناء المخا والملاحة والسفن التجارية في البحر الأحمر، كما استهدفوا مواقع مدنية وعسكرية للقوات الحكومية، وامتد التصعيد إلى الأراضي السعودية وفي المقابل، ما زالت الشرعية مترددة في الانتقال من الدفاع والردود الموضعية إلى استراتيجية عسكرية وسياسية متماسكة.

لكن هناك نقطة مهمة جداً في تقديري: السعودية لا تبدو راغبة في ترك اليمن للحوثيين، لكنها أيضاً لا تريد العودة إلى حرب مفتوحة بلا أفق سياسي أو عسكري واضح وهذه هي جوهر المسألة.

فالمعادلة السعودية لم تعد مجرد دعم الشرعية في مواجهة الحوثي، وإنما أصبحت أكثر تعقيداً: كيف يمكن منع تحول اليمن إلى منصة تهديد استراتيجي دائم لأمن المملكة والمنطقة، دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة تتحمل الرياض وحدها تكلفتها السياسية والعسكرية والاقتصادية؟

لذلك أعتقد أن المعادلة القادمة قد تكون: ليس المطلوب من السعودية أن تخوض الحرب بدلاً من اليمنيين، وإنما أن تساعد اليمنيين على امتلاك القدرة والإرادة والقرار لخوض معركة استعادة الدولة،

وهنا تقع المسؤولية الكبرى على الشرعية نفسها،

فالخطر الحقيقي ليس فقط قوة الحوثي، وإنما تشتت الطرف المقابل ،فالقيادة الحوثية، رغم ما قد يوجد داخلها من تباينات وصراعات على النفوذ بين مراكز القوة السياسية والعسكرية والأمنية، تبدو أكثر تماسكاً في القرار الاستراتيجي من خصومها، وتتحرك باعتبارها مشروعاً واحداً له قيادة وقرار وهدف. أما معسكر الشرعية فقد عانى طويلاً من تضارب الأولويات والمصالح والحسابات السياسية والمناطقية، وهو ما جعله يبدو في كثير من الأحيان وكأنه مجموعة من المكونات أكثر منه دولة ذات مشروع موحد.

أولاً: أزمة الشرعية وتشتت القرار

إن أي حديث عن معركة فاصلة أو استعادة للدولة لا يمكن أن يبدأ من الجبهات قبل أن يبدأ من إعادة بناء القرار السياسي والعسكري. فالشرعية تمتلك من القوى والموارد والامتدادات الشعبية والجغرافية ما يجعلها قادرة على تغيير موازين القوى، لكنها لم تتمكن حتى الآن من تحويل هذه الإمكانات المتفرقة إلى قوة وطنية موحدة ذات قيادة وهدف واضحين.

ولهذا فإن توحيد القرار لا يعني مجرد إصدار بيانات سياسية، وإنما إعادة بناء منظومة متكاملة للقيادة والسيطرة، وتحديد المسؤوليات، وإنهاء تعدد المرجعيات، وربط جميع القوات والمكونات بمشروع وطني جامع.

ثانياً: البعد الاقتصادي والإنساني

لا يمكن فصل المعركة السياسية والعسكرية عن الأزمة الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة، انهيار العملة، وتوقف أو تأخر المرتبات، وأزمة الغذاء والوقود، وتراجع الخدمات، كلها عوامل تضعف قبضة الشرعية على الأرض وتضعف قدرتها على جذب الأنصار، كما تشكل ورقة ضغط قوية بيد الحوثيين، ومن ثم فإن أي استراتيجية لاستعادة الدولة يجب أن تتضمن خطة اقتصادية متكاملة تبدأ من استعادة المؤسسات المالية والنفطية، وتحسين الإيرادات، ودعم العملة، وانتظام صرف المرتبات، وصولاً إلى معالجة الأزمة الإنسانية وتحسين الخدمات الأساسية،

فالاقتصاد ليس ملفاً موازياً للمعركة، وإنما جزء أساسي من معركة الدولة نفسها.

ثالثاً: الأطراف الإقليمية والدولية

لا تقتصر المعادلة على العلاقة الثنائية بين اليمن والسعودية، فهناك الدور الإماراتي المؤثر في التشكيلات الجنوبية رغم انحسار هذا الدور بعد احداث حضرموت و المهرة في ديسمبر ويناير الماصي، بما يحمله من حسابات وتداعيات على وحدة المشهد اليمني، وهناك الموقف الأمريكي والدولي من التصعيد الحوثي، والدور الأممي، والدور العُماني المهم في الوساطة والاتصالات السياسية.

وأي مشروع لإنقاذ اليمن يجب أن يأخذ هذه الأطراف في الاعتبار، وأن يدير علاقاته معها سياسياً بما يخدم المصلحة الوطنية اليمنية أولاً، بعيداً عن تحويل اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

ومن هنا يجب التأكيد على أن اليمن لا يستطيع تجاهل البيئة الإقليمية والدولية، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع بناء مشروعه الوطني على إرادة الخارج وحدها.

رابعاً: دور المجتمع المدني والأحزاب والنخب

الرؤية التي تركز فقط على الدولة والشرعية والحليف الخارجي لن تكتمل دون بناء توافق وطني أوسع. فالأحزاب السياسية، والنخب الاجتماعية والفكرية، والاتحادات والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني، كلها قوى يمكن أن تشكل غطاءً سياسياً وشعبياً لأي مشروع وطني، وتحميه من أن يُختزل في فئة أو مكون واحد، كما أن النخب السياسية والفكرية مطالبة اليوم بالخروج من دائرة التشخيص المستمر للأزمة إلى تقديم مشاريع واقعية للخروج منها، لأن استمرار الانقسام لا يخدم إلا القوى التي استفادت من انهيار الدولة.

ماذا تحتاج الشرعية؟

ولهذا فإنني أرى أن إنقاذ اليمن يحتاج إلى ثلاثة أمور متزامنة:

أولاً: توحيد القرار السياسي والعسكري للشرعية

وهذا لا يعني مجرد دعوات عامة، بل خطوات تنفيذية واضحة، من بينها:

تشكيل قيادة عسكرية موحدة تضم جميع القوات الموالية للشرعية تحت قيادة مركزية واحدة، بصلاحيات فعلية على الأرض.

إصدار رؤية سياسية وطنية موحدة تحدد أهداف المرحلة القادمة، بحيث لا يكون هناك مجال لتعدد المرجعيات الاستراتيجية.

إعادة هيكلة المؤسسات السياسية والعسكرية وفق معايير الكفاءة والوطنية، وتجاوز المحاصصة التي أثبتت التجربة أنها أحد أسباب الضعف.

بناء منظومة قيادة وسيطرة قادرة على تحويل القرار السياسي إلى قدرة فعلية على الأرض.

ثانياً: رفع مصلحة الدولة اليمنية فوق مصالح القوى والمكونات والأشخاص

هنا يكمن الاختبار الأصعب، فالتجربة أثبتت أن أي مشروع ينطلق من حسابات ضيقة سيكون مصيره الفشل. والمطلوب هو تجاوز الخطاب المناطقي والحزبي إلى خطاب وطني جامع، بحيث يكون عنوان المرحلة:

«اليمن أولاً».

فلا يمكن بناء دولة موحدة بعقلية المكونات المتصارعة، ولا يمكن مواجهة مشروع مسلح ومنظم بمجموعة من المشاريع المتنافسة.

ثالثاً: بناء شراكة استراتيجية واضحة مع السعودية

هذه الشراكة يجب أن تقوم على المصالح المتبادلة، وليس على انتظار أن تقوم الرياض بكل شيء.

فاليمن بحاجة إلى السعودية باعتبارها الحليف الإقليمي الأهم القادر على تقديم الدعم السياسي والاقتصادي والأمني، والسعودية في المقابل بحاجة إلى يمن مستقر وموحد وقادر على حماية أمنه وحدوده والمساهمة في أمن المنطقة.

وهنا يمكن أن يتحول الحليف من مجرد داعم للشرعية إلى شريك في مشروع استعادة الدولة اليمنية، وفق رؤية مشتركة تحدد الأهداف والآليات والتوقيتات.

غير أن نجاح هذه الشراكة لن يكون ممكناً إذا بقيت الشرعية تنتظر من الخارج أن يحل مشكلاتها الداخلية، فالدعم السعودي، مهما كان حجمه، لا يمكن أن يعوض غياب القرار اليمني الموحد،

وفي المقابل، فإن أي مشروع يمني لاستعادة الدولة يحتاج إلى مظلة إقليمية ودولية داعمة تضمن عدم تحول المعركة إلى صراع داخلي مفتوح أو إلى حرب استنزاف طويلة، ومن هنا فإن العلاقة بين القرار اليمني والدعم السعودي يجب أن تقوم على التكامل لا الوصاية، وعلى الشراكة لا التبعية.

ان المعركة الفاصلة ليست حرباً عمياء

والأهم: أن المعركة الفاصلة لا تعني بالضرورة الاندفاع إلى حرب عمياء.

والمقصود بالمعركة الفاصلة هنا ليس بالضرورة معركة واحدة أو هجوماً عسكرياً شاملاً، وإنما الانتقال من حالة إدارة الأزمة والدفاع المتقطع إلى استراتيجية متكاملة لتغيير موازين القوى السياسية والعسكرية والاقتصادية، بما يفتح الطريق أمام استعادة الدولة.

فالمعركة الفاصلة تبدأ قبل إطلاق النار:

بإعادة بناء القيادة.

تحديد الهدف السياسي بدقة: هل هو تحرير كامل الأرض؟ أم فرض تسوية سياسية؟ أم تغيير موازين القوى لإجبار الحوثي على التنازل؟

ترتيب القوات وتدريبها وتجهيزها،

تأمين الموارد المالية واللوجستية،

توحيد الجبهات داخلياً،

إدارة العلاقة مع السعودية والمجتمع الدولي،

ثم اختيار التوقيت الذي لا يستطيع الحوثي فيه فرضه على الشرعية، بل يكون خياراً محسوباً ومعداً له جيداً، فالمطلوب ليس الدخول في حرب لمجرد الحرب، وإنما بناء قدرة تجعل الحرب، إذا أصبحت ضرورة، أداة لتحقيق هدف سياسي واضح وليست مجرد رد فعل على تحركات الحوثيين.

هل سينجو اليمن؟

نعم، ما زالت هناك فرصة حقيقية.

لكن هذه الفرصة ليست مفتوحة إلى الأبد. وكلما طال الجمود، زادت قدرة الحوثيين على ترسيخ واقعهم السياسي والعسكري، وأصبح تغيير موازين القوى أكثر تعقيداً وكلفة.

وفي تقديري، فإن النافذة الزمنية المتاحة أمام الشرعية لإعادة بناء قوتها وفرض تغيير جوهري في موازين القوى قد تكون محدودة، وربما لا تتجاوز العامين المقبلين إذا استمر المسار الحالي دون تغيير، و هذا ليس موعداً نهائياً لسقوط اليمن، وإنما تقدير استراتيجي لخطورة استمرار الوضع الراهن؛ فكلما طال الزمن، ازدادت قدرة الحوثيين على ترسيخ مؤسساتهم وشبكاتهم العسكرية والأمنية والاقتصادية، وأصبح أي تحرك لاحق لاستعادة الدولة أكثر صعوبة،

وكلما تأخرت الشرعية في معالجة تشتتها الداخلي وأزمتها الاقتصادية، كلما تقلصت خياراتها المستقبلية.

السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: الأسوأ

استمرار الجمود، وترسيخ الحوثيين لسيطرتهم، وتفاقم الانهيار الاقتصادي، واتساع حالة الدولة الهشة والمجزأة، واستمرار التهديد للأمن الإقليمي، بما يجعل استعادة الدولة أكثر صعوبة وكلفة في المستقبل.

السيناريو الثاني: المتوسط

استمرار الوضع الراهن مع تفاهمات مرحلية، وتوقف القتال في بعض الجبهات، وهدوء نسبي، مع بقاء الأزمة دون حل جذري، واستمرار معاناة اليمنيين وتدهور اقتصادي متواصل،

وهذا السيناريو قد يبدو للوهلة الأولى أقل خطورة من الحرب، لكنه يحمل خطراً كامناً يتمثل في تحويل الأمر الواقع إلى وضع دائم، بحيث تصبح التسوية السياسية لاحقاً أكثر صعوبة.

السيناريو الثالث: الأفضل

توحد الشرعية، وبناء شراكة استراتيجية حقيقية مع السعودية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة والقوات العسكرية والأمنية، بالتوازي مع ضغوط سياسية واقتصادية وتغيير تدريجي في موازين القوى، بما يؤدي إلى إضعاف الحوثيين ودفعهم، في نهاية المطاف، إلى القبول بتسوية سياسية أكثر توازناً تعيد الدولة إلى مسارها الطبيعي،

وهذا السيناريو لا يعني بالضرورة حسم الحرب عسكرياً بصورة كاملة، وإنما يعني الوصول إلى وضع تصبح فيه الدولة اليمنية صاحبة اليد الأقوى في تحديد مستقبل البلاد.

في الختام

ربما يكون عنوان المرحلة بدقة هو:

اليمن بين الخوف والرجاء.

الخوف من أن تتحول سنوات الانقسام إلى سقوط نهائي، والرجاء في أن يدرك اليمنيون قبل فوات الأوان أن إنقاذ وطنهم لن يتم إلا عندما تصبح مصلحة اليمن فوق الجميع.

وهذا، في رأيي، هو الاختبار الحقيقي للشرعية، وللسعودية، وللقوى اليمنية كلها، بل هو اختبار للنخب السياسية والفكرية: هل تستطيع أن تضع مشروعاً وطنياً يخرج باليمن من أزمته، أم تظل أسيرة الحسابات الضيقة والمصالح الآنية؟

فالشرعية مطالبة اليوم بأن تستعيد قرارها، والقوى السياسية مطالبة بأن تتجاوز خلافاتها، والسعودية مطالبة بأن تواصل دعم استقرار اليمن وأمنه، والمجتمع الدولي مطالب بألا يتعامل مع الأزمة اليمنية باعتبارها ملفاً إنسانياً أو أمنياً منفصلاً عن أصل المشكلة، وهي بقاء الدولة اليمنية رهينة الانقسام والسلاح خارج مؤسساتها،

وأقولها بصراحة لا أريد أن تكون تنبؤاتي سبباً في زيادة خوفنا جميعاً؛ فوظيفتنا في التحليل الجيوسياسي واستشراف السيناريوهات هي أن نضع أمام القارئ الصورة كما نراها، لا أن نحكم على اليمن بمصير محتوم،

فالتاريخ اليمني نفسه يثبت أن هذا البلد قادر على إنتاج مفاجآت لا تخطر على بال أحد،

ولعل المفاجأة القادمة تكون في صالح اليمن.