صاعقة هي، أم أن السماء شقت حنجرتها لتصرخ باسمك في آفاق الكون؟
نزل النبأ كأنه نيزك غاضب يزلزل أضلع تعز الأبية، يمزق صمت الحجر الصلد، ويخلع قلوب المرابطين في قمم "الصلو" و"الشقب" و"الضباب" و"سامع".
رحلت يا فاروق، رحل الرجل الذي كان يمنح الفولاذ الصامت نبضا وحياة، ويصلح بكسرة عقله ووهج خبرته ألسنة البارود حين تعرق المدافع وتئن في أوج المعارك.
أيها النقيب البطل فاروق محمد عبده المشعري، المنسوج من سلالة السحاب الصلب ورائحة الأرض، يا ابن اليمن الذي لم يبتكر حبا أعتى ولا أعمق من حيازة المجد والذود عن الكرامة.
أقبلت في مطالع الملحمة العظيمة مطلع العام 2015 بلا بندقية شخصية فوق كتفك، وكأنك تجاهر أمام الدنيا أن الثائر الحقيقي لا يحتاج سلاحا كي يبتدئ الحرب ويصنع الفارق.
بل يحتاج عقلا يزن الهزيمة فيقلبها إعصارا، وروحا تطهر الميدان وتتوهج بحب الجمهورية.
قلتها يوم خطوتك الأولى للمناضل فؤاد الشدادي قائد مقاومة الحجرية وفاتح مديرية المسراخ يوم طلبت الإلتحاق بكتائب الشهيد عبد الرقيب عبد الوهاب بملء الثبات واليقين : "سلاحي عقلي وخبرتي في صيانة السلاح، فلا تحرمني من هذه المهمة المقدسة".
فصرت منذ تلك اللحظة الشريان الخفي الذي يضخ الدماء في شرايين "المعدلات" المشتعلة من عيار 12.7 و14.5 والمدفعية، واليد المقدسة التي تداوي جراح الأسلحة فوق الذرى كي لا تصمت حنجرة الوطن أمام الطغيان.
كنت تطير كخلية نحل لا تعرف الكلل ولا السكون، تطوي ظلمة الجبال وشواهق الحجرية، تسابق زمان الموت على متن دراجة نارية تهتز لها الصخور أو على قدميك الحافيتين بالخلود.
تنقلت بين خطوط النار تنشق الموت وتصنع الحياة؛ تطوي "راسن" و"بني عمر" و"حيفان" و"المسراخ" و"الأقروض" و"جرداد"، والصلو تغسل صدأ العتاد بعرق جبينك الطاهر، وتعيد السلاح إلى الصفوف الأولى ليزأر في وجه الفاشستية الحوثية الإيرانية الرعناء.
لم تطمع يوما في رتبة تباهي بها، ولا التفت لغنيمة أو مكسب شخصي زائل، بل أتقنت الصوم عن زخرف الدنيا، واعتكفت في محراب التحرير حافيا إلا من شرف النضال الكسيب.
عرفك كل قادة الجبهات، والضباط البسلاء، ومرابطو المواقع في كل ثغر، شاهدا لك الطهر والصدق والوفاء.
وعلى خطى وليك وشهيدك الأعظم، العميد القائد عدنان الحمادي، مضيت تتشرب مبادئ الحرية والجمهورية؛ لم يكسر روحك وجع الفقد الفاجع، ولا خذلان الخاذلين، ولا جحود ذوي القربى الذين نكروا العطاء.
نفضت عن كاهلك غبار الزيف ورحلت متوهجا نحو أفق الساحل الغربي، للانضمام إلى المقاومة الوطنية كغيرك من الأحرار، لتبصم بدمك المسكوب في "المخاء" و"باب المندب" أن البطل جمهوري حيثما حل وارتجل.
وأن معركة الكرامة جبهة واحدة أفقها السماء، ومداها كامل التراب اليمني المقدس.
وهناك.. في ميناء المخاء وعلى شواطئ باب المندب الثائرة، وحين عجزت الميليشيات الحوثية الفاشية عن منازلة الجبال والرجال وجها لوجه، أطلقت غدرها الصاروخي الباليستي الجبان.
امتدت يد الخيانة لتمزق أحشاء الفجر، وليمزج دمك الشريف بماء البحر المالح ونور الصباح، وتلتحق بقافلة الشهداء الأبرار الذين سكبوا أرواحهم قربانا على مذبح الحرية والدفاع عن الموانئ والبحار.
يا فاروق المشعري، ويا عدنان الحمادي، ويا أطياف كل البسلاء والشهداء الأبرار الذين قضوا في دوي القصف الباليستي الغادر؛ إنكم لم تموتوا ولن تفنوا، بل تحولتم إلى صواعق تطارد الخونة في نومهم، وإلى رصاصات تسكن ذاكرة السلاح الذي صنعتم خلوده بأيديكم الشريفة.
إن حزننا عليك ليس مجرد دموع تسكب أو مرثية تكتب على جدار الزمن، بل هو صرخة غضب في وجه الاستنزاف المستمر؛ نداء يذكر الجميع بأن الحرب المفتوحة بلا حسم ناجز ليست سوى نزيف مستمر لأفضل ما أنجبت هذه الأرض من رجال وضباط وفنيين.
العدو الحوثي لا يتعب من الحرب ولا يرعوي، والذي لا يحسم معركته مع عدو يريد ابتلاع بلاده، سيظل يدفع ثمن التأجيل من أفضل رجاله وأطهر دماء أبنائه.
رحل مهندس سلاح التحرير، تاركا خلفه أثرا لا يمحى، وذكرا عاطرا في كل قمة وجبل وعيار ناري صانته يداه الشريفتان.
سلام على يدك التي صانت عزتنا وسلاحنا، سلام على روحك التي تحلق فوق بحر المخاء وشواهق تعز.
وسلام على كافة شهداء القصف الغادر في كل جبهات الوطن، الذين حملوا وطنا أثقل من أعمارهم، ومضوا نحو الخلود أحرارا مكرمين.
تغمدك الله بواسع رحمته يا فاروق، وتقبلك في الشهداء والصالحين، وإنا على دربك لثائرون.
أخبار محلية
الشهيد فاروق.. صلاة الكفاح على الجبال والأودية والساحل..!