مقالات

سلسلة قدّك دكتوراه (10):  قدّك دكتوراه... حين يصبح التمهيدي حشوًا… وتضيع البوصلة. 

بوست 24 12/08/2026 16:38 274 مشاهدة
سلسلة قدّك دكتوراه (10):   قدّك دكتوراه... حين يصبح التمهيدي حشوًا… وتضيع البوصلة. 

في بداية رحلة الدكتوراه، يدخل الطالب المرحلة التمهيدية وهو يتوقع أن يجد نفسه أمام معرفة جديدة، وأدوات متقدمة، ومناهج تساعده على الانتقال من مرحلة الطالب إلى الباحث،.لكن ماذا يحدث أحيانًا؟ مواد كثيرة، مقررات إضافية، مواد تُفرض تحت مسميات مختلفة، ومقررات مقاصة حتى وإن كان الطالب قد درس بعضها من قبل… ثم تتراكم الكتب والملازم والاختبارات، حتى يجد الطالب نفسه أمام سؤال بسيط: هل نحن نُعدّ باحثًا للدكتوراه… أم نعيد تدريس الجامعة من جديد؟

المقاصة: عندما ننسى أن الطالب جاء بخلفية علمية ، ومن الطبيعي أن تكون هناك مقررات استدراكية عندما يختلف تخصص الطالب السابق عن تخصص الدكتوراه، أو عندما توجد فجوة معرفية حقيقية يحتاج إلى سدّها.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المقاصة إلى قاعدة عامة بدل أن تكون استثناءً مبررًا.

طالب يحمل مؤهلًا جامعيًا، ثم ماجستيرًا، وربما سنوات من الخبرة، يدخل برنامج الدكتوراه، فيُطلب منه إعادة دراسة موضوعات سبق أن درسها، وكأن المسار الأكاديمي السابق لم يكن موجودًا.

السؤال هنا ليس: هل نحتاج إلى مواد إضافية؟

بل: هل نحتاج فعلًا إلى هذه المواد لهذا الطالب تحديدًا؟.فالاستدراك ينبغي أن يعالج فجوة معرفية حقيقية، لا أن يتحول إلى عقوبة بسبب اختلاف التخصص أو مجرد إجراء إداري.

كثرة المواد لا تعني عمق المعرفة ؛ فهناك اعتقاد شائع بأن البرنامج الأكاديمي يصبح أقوى كلما زاد عدد المقررات، وهذا ليس صحيحًا بالضرورة.

قد يدرس الطالب عشر مواد، ولا يخرج منها إلا بمعلومات متناثرة ، وقد يدرس أربع مواد مصممة جيدًا، فتغيّر طريقة تفكيره بالكامل.

المشكلة ليست في عدد المقررات، بل في قيمتها ؛ فالباحث في مرحلة الدكتوراه لا يحتاج إلى أن يحفظ أكبر قدر ممكن من المعلومات، بقدر ما يحتاج إلى أن يتعلم:

- كيف يسأل؟

- كيف يبحث؟

- كيف يحلل؟

- كيف ينقد؟

- كيف يبني حجة علمية؟

- وكيف ينتج معرفة جديدة؟

الحشو الأكاديمي… حين تصبح المعلومة غاية ، وحين تتكرر الموضوعات، وتتضخم المقررات، وتُحشى الخطة بمعلومات يمكن الوصول إليها بسهولة، يصبح الطالب منشغلًا بإنهاء المنهج بدلًا من فهمه.

ويبدأ السؤال يتحول من: ماذا تعلمت؟.إلى: ماذا سيأتي في الامتحان؟

وهنا نخسر أهم شيء في الدراسات العليا: روح البحث؛ فالطالب الذي يقضي معظم طاقته في الحفظ والاستعداد للاختبارات، قد ينجح في المقرر، لكنه لا يتقدم بالضرورة خطوة واحدة نحو أن يصبح باحثًا مستقلا. 

والكتب أيضًا تحتاج إلى مراجعة ، ليس كل كتاب قديم كتابًا سيئًا ، ولا يعني استخدام المراجع الكلاسيكية أنها غير صالحة.

لكن المشكلة حين يصبح الكتاب المعتمد في المقرر هو نفسه منذ سنوات طويلة، بينما تغيّر العلم، وتغيرت أدوات البحث، وظهرت نظريات ودراسات ومناهج جديدة.

العالم الأكاديمي لا ينتظر المنهج الجامعي حتى يتغير ؛ فكل يوم تظهر أبحاث جديدة، وقواعد بيانات جديدة، وأدوات تحليل جديدة، وتطبيقات للذكاء الاصطناعي، ومناهج بحثية أكثر تطورًا. فإذا بقيت المادة الجامعية تدور حول كتاب واحد قديم، بينما المعرفة خارج القاعة تتحرك بسرعة، فهناك فجوة ينبغي مراجعتها ، الكتاب او الملزمة مرشد للمعرفة… وليس سجنًا لها. 

وماذا عن طريقة التدريس؟

المشكلة أحيانًا ليست في المادة، وإنما في طريقة تقديمها ، لا يزال بعض التدريس الجامعي قائمًا على:

- المحاضر يتحدث،

- والطلاب يستمعون،

- والكتاب يُحفظ،

- والامتحان يختبر الذاكرة.

لكن طالب الدكتوراه لا ينبغي أن يبقى متلقيًا سلبيًا.... هو باحث؛ فيجب أن يناقش، ويقارن، وينقد، ويقرأ أبحاثًا حديثة، ويعرض أفكاره، ويختلف، ويكتب، ويحلل.

فإذا كانت المحاضرة في الدكتوراه تشبه محاضرة السنة الأولى في الجامعة، فربما نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا: هل تغير مستوى الطالب… أم لم تتغير طريقة التدريس؟

من "ماذا قال الكتاب؟" إلى "ماذا تقول أنت؟"

هذه ربما أهم نقلة ينبغي أن تحدث في الدراسات العليا.

في مرحلة البكالوريوس قد يكون السؤال: ماذا قال العالم الفلاني؟

وفي الماجستير يصبح السؤال: كيف اختلفت الدراسات حول هذه القضية؟

أما في الدكتوراه، فينبغي أن نصل إلى سؤال أكثر عمقًا: ما الذي ستضيفه أنت؟

إذا ظل الطالب سنوات طويلة يكرر ما قاله الآخرون، فكيف نطالبه في نهاية الطريق بأن يقدم إضافة أصيلة؟

الباحث لا يُصنع بكثرة ما يحفظ، وإنما بقدرته على إنتاج سؤال جديد ورؤية جديدة.

رسالة إلى الأقسام والجامعات: 

راجعوا برامج الدكتوراه كما تراجعون الأطروحات ، واسألوا عن كل مقرر:

لماذا يوجد؟

ماذا يضيف؟

هل يتكرر مع مقرر آخر؟

هل يناسب مستوى الدكتوراه؟

هل مراجعُه حديثة؟

هل طريقة تدريسه تنمي التفكير النقدي؟

وهل يحتاجه جميع الطلاب فعلًا؟

فليس عيبًا أن نلغي مقررًا قديمًا.

وليس عيبًا أن نعيد بناء منهج.

العيب أن نعرف أن شيئًا لا يعمل… ثم نستمر فيه فقط لأننا اعتدنا عليه.

ورسالة إلى الأساتذة: 

ليس المطلوب أن تتخلوا عن المقررات أو عن الكتب ، بل أن تجعلوا المقرر أداة للبحث، لا نهاية للمعرفة، أعطوا الطالب مشكلة يبحث عنها، لا عشرات الصفحات يحفظها ، اطلبوا منه أن يقرأ دراسة حديثة وينقدها ، اجعلوه يقارن بين نظريتين واطلبوا منه أن يدافع عن رأيه بالدليل.

فربما كانت ساعة نقاش علمي حقيقي أكثر قيمة من عشر ساعات من التلقين.

ورسالة إلى طلاب الدكتوراه: 

لا تقيسوا قوة البرنامج بعدد مواده، ولا تقيسوا نجاحكم بعدد الصفحات التي حفظتموها.

اسألوا أنفسكم دائمًا: هل أصبحت أفكر بصورة أفضل؟ إذا كانت الإجابة نعم، فأنتم في الطريق الصحيح. أما إذا انتهى الفصل الدراسي وكل ما بقي في الذاكرة هو أسماء الكتب وعناوين الفصول، فربما كان هناك كثير من التعليم… وقليل من التعلّم.

واخيرا 

الدكتوراه ليست مرحلة لإعادة تعبئة الذاكرة، بل مرحلة لإعادة تشكيل العقل، والمناهج الجيدة ليست التي تجعل الطالب مشغولًا طوال الوقت، بل التي تجعل وقته أكثر قيمة ... لسنا بحاجة إلى طالب دكتوراه يحمل عشرات المقررات في ذاكرته، بقدر حاجتنا إلى باحث يستطيع أن يحمل سؤالًا واحدًا عميقًا ويلاحقه حتى يصل إلى إجابة تضيف شيئًا للمعرفة.

في الدكتوراه، ليست المشكلة أن يكون المنهج طويلًا… المشكلة أن يكون الطريق طويلًا ولا يقود إلى معرفة جديدة.