تاريخ النشر: 12.08.2026 | 14:29 GMT
استعان قادة روس وسوفييت بشخصيات ارتبطت بالتنجيم والعلاج الروحي والخوارق، بحثا عن الحماية أو المعرفة أو استشراف المستقبل.
راسبوتين.. "المعالج" الذي وثق به نيقولاي الثاني
يعد غريغوري راسبوتين من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ الروسي، ولا يزال الجدل قائما حول طبيعته الحقيقية، بين من رأى فيه رجلا ذا قدرات روحية ومعجزات، ومن اعتبره دجالا استغل نفوذه ومكانته.
وُلد راسبوتين عام 1869 في أسرة فلاحية في سيبيريا، ولم يتلقَّ تعليما يُذكر، فيما ترد روايات بأنه لم يتعلم القراءة والكتابة بصورة كاملة. وبعد سنوات قضاها متنقلا، وصل إلى بطرسبورغ عام 1903، حيث سرعان ما جذب اهتمام الأرستقراطيين الذين كانوا مفتونين بالتصوف والممارسات الغامضة.
ومع مرور الوقت، تمكن راسبوتين من الاقتراب من العائلة الإمبراطورية، واكتسب ثقة القيصر نيقولاي الثاني وزوجته ألكسندرا، خصوصا بعدما تمكن من مساعدة ابنهما أليكسي، وريث العرش الوحيد، الذي كان مصابا بالهيموفيليا.
وبفضل هذه العلاقة، أصبح راسبوتين شخصية مؤثرة في محيط العائلة المالكة، حتى إن القيصر كان يستشيره في بعض القضايا والقرارات. كما حاول إقناع نيقولاي الثاني بعدم خوض الحرب مع ألمانيا، لكن نصيحته لم تؤخذ بها، واندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914، التي تحولت إلى كارثة بالنسبة للإمبراطورية الروسية، وأسفرت عن مقتل أكثر من أربعة ملايين روسي.
ولم تقتصر شهرة راسبوتين على ادعاء قدرته على العلاج، إذ نُسبت إليه أيضا تنبؤات بالمستقبل. فقد حذر القيصر من الأخطار التي قال إنها تهدد روسيا، وتنبأ بموته قبل اغتياله.
وفي رسالة بعث بها إلى نيقولاي الثاني في ديسمبر 1916، حذّر راسبوتين من أن اغتياله على يد النبلاء الروس سيعقبه اضطراب واسع في البلاد، قائلا إن روسيا لن تعرف السلام لمدة 25 عاما. وجاء في الرسالة، بحسب النص المنقول عنه، أن الشعب الروسي سيقتل القيصر، وأن البلاد ستشهد اقتتالا ودمارا، وأن روسيا والعقيدة الأرثوذكسية ستتعرضان لاضطرابات متكررة خلال 25 عاما.
وفي 30 ديسمبر 1916، قُتل راسبوتين بالفعل على يد مجموعة من النبلاء المقربين من العائلة الإمبراطورية. وبعد اغتياله بفترة قصيرة اندلعت الثورة في روسيا، وفي غضون أقل من عامين أُعدمت العائلة الإمبراطورية.
ناتاليا لفوفا.. عرّافة في محيط ستالين
ارتبطت شائعات عديدة بالنساء اللواتي ظهرن في حياة الزعيم السوفيتي يوسف ستالين، لكن ناتاليا لفوفا احتلت موقعا مختلفا؛ فهي لم تكن عشيقة له، وإنما عرّافة ارتبط اسمها بعالم التصوف والممارسات الخارقة.
كانت لفوفا ابنة عرّافة شهيرة من بطرسبورغ، ويُقال إن ستالين استدعاها بنفسه إلى موسكو عام 1930.
ناتاليا لفوفاوبحسب الروايات التي تناولت علاقتها بالزعيم السوفيتي، كان ستالين يؤمن بوجود قوى خارقة للطبيعة، ويرى في أصحاب القدرات الخارقة حلفاء محتملين يمكن أن يساعدوه في مسيرته السياسية.
ووفقا لإيغور أوبولينسكي، مؤلف كتاب "مذكرات والدة ستالين"، كانت لفوفا تساعد في حماية ستالين من الحسد والتأثيرات السلبية التي قد يتعرض لها من خصومه السياسيين. وتشير الروايات إلى أنها نصحته، كإجراء وقائي من السحر الأسود، بعدم التقاط الصور له، وكذلك بعدم الكشف عن تاريخ ميلاده الحقيقي.
ومن هنا ظهرت شائعات تقول إن عددا كبيرا من الصور المنسوبة إلى ستالين لم يكن له أصلا، وإنما كان لأشخاص يشبهونه. ووفق هذه الروايات، كانت إحدى الصور القليلة التي اعتُبرت موثوقة تُظهر ستالين ملتفتا نصف التفاتة، وعيناه مغمضتان، وهو يدخن غليونه.
وكانت الشائعة تفسر ذلك بأن هذه الصورة لا يمكن استخدامها في أعمال السحر الأسود، لأن عيني ستالين مغمضتان، فيما يشكل الغليون، بحسب الاعتقاد المتداول، نوعا من الحماية.
كما يُرجح، وفق المصدر، أن لفوفا قدمت لستالين المشورة في بعض قرارات إعادة توزيع المناصب والموظفين، والتي بدت أحيانا غريبة، لكنها كانت تصيب في كثير من الأحيان ومع ذلك، لا تزال المعلومات المتوافرة عن حياة ناتاليا لفوفا قليلة، فيما يحيط كثير من تفاصيل علاقتها بستالين بالروايات والشائعات.
جونا.. معالجة بريجنيف الروحية
أما الشخصية الثالثة فهي يوجينيا دافيتشفيلي، المعروفة باسم "جونا"، وهي معالجة روحية روسية اشتهرت بعلاج عدد من الشخصيات البارزة في روسيا وخارجها.
يوجينيا دافيتشفيلي، المعروفة باسم "جونا" / Legion-Mediaارتبط اسمها خصوصا بالزعيم السوفيتي ليونيد بريجنيف، الذي كانت تكنّ له إعجابا كبيرا حتى وفاته. ووفق الرواية الواردة في المصدر، اكتشف بريجنيف جونا وأحضرها من تبليسي في جورجيا إلى موسكو، حيث أقامت بالقرب من الكرملين.
روّجت جونا لاستخدام ما وصفته بـ"الطاقة الحيوية" في العلاج، وقيل إنها ساعدت بريجنيف على تجاوز أزمات صحية عدة، بل إن بعض الروايات ذهبت إلى أنها أنقذته من الموت مرات عديدة. وتوفى بريجنيف بعد بضعة أشهر من توقف جونا عن العمل بوصفها معالجة شخصية له.
ولم تقتصر شهرة جونا على الأوساط السياسية، إذ أثارت قدراتها اهتمام الأوساط الأكاديمية الروسية، وخضعت لاختبارات متكررة على يد عدد من العلماء. وزعمت نتائج تلك الاختبارات أن جونا استطاعت التأثير في الجسم على المستوى الجزيئي وتحسين خصائص خلايا الدم. وكانت جونا تقول إن كل إنسان يمتلك قدرات حيوية، لكن قلة فقط تستطيع تركيز هذه الطاقة واستخدامها في علاج الأمراض.
وخلال مسيرتها، قدمت جونا خدماتها لعدد من كبار المسؤولين والشخصيات العامة، ومن بينهم ميخائيل غورباتشوف وبوريس يلتسين. وفي مقابلة أجريت معها عام 2012، تحدثت جونا عن علاقتها الجيدة بفلاديمير بوتين ودميتري ميدفيديف، كما كشفت أنها تلقت طلبا لعلاج الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يوشينكو، لكنها رفضت.
ونُسبت إلى جونا كذلك مجموعة من التنبؤات، إذ قيل إنها توقعت كارثة تشيرنوبيل عام 1986، ومحاولة الانقلاب في أغسطس 1991، وتفكك الاتحاد السوفيتي.
ورغم ذلك، كانت نظرتها إلى مستقبل روسيا متفائلة في الغالب، ولم ترَ أن العقوبات الغربية المفروضة على روسيا أو الأزمة الأوكرانية تمثلان مشكلة كبيرة للبلاد، لكنها حذرت من احتمال وقوع صدام بين القوى العالمية إذا استمر الصراع في أوكرانيا لأكثر من شهرين.
توفيت جونا عام 2015، تاركة وراءها سيرة مثيرة للجدل جمعت بين العلاج الروحي والتنبؤات وعلاقاتها بشخصيات سياسية بارزة، شأنها في ذلك شأن راسبوتين ولفوفا اللذين سبقاها إلى الاقتراب من دوائر الحكم.
المصدر: RBTH