أخبار محلية

الغاز في قبضة مأرب.. أزمة خانقة ورفض الاستيراد من الخارج يضاعف المعاناة

نافذة اليمن 09/08/2026 18:10 339 مشاهدة
الغاز في قبضة مأرب.. أزمة خانقة ورفض الاستيراد من الخارج يضاعف المعاناة

تتفاقم أزمة الغاز المنزلي في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، وسط شكاوى متصاعدة من شح الإمدادات وارتفاع الأسعار وطول الطوابير أمام محطات التعبئة، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى قرار حكومي طال انتظاره بفتح باب الاستيراد من الخارج لتغطية العجز وإنهاء الاعتماد شبه الكامل على الإمدادات القادمة من مأرب.

وتقول مصادر في شركة الغاز إن قيادات حكومية وأخرى في مجلس القيادة الرئاسي لا تزال ترفض خيار استيراد الغاز، رغم طرح مقترحات متعددة من مسؤولين محليين وحكوميين في عدن وحضرموت لتوفير كميات مستوردة بصورة عاجلة، معتبرة أن الاستيراد يمكن أن يشكل حلاً عملياً للأزمة ويخفف الضغط عن المواطنين والأسواق.

وبحسب المصادر، فإن المفارقة تكمن في أن الغاز المتوفر من حقول صافر في مأرب، باعتباره منتجاً محلياً، يصل إلى المواطنين بأسعار مرتفعة، فيما يمكن أن يوفر الاستيراد الخارجي كميات إضافية بتكلفة أقل في حال جرى تنظيم العملية بشفافية وفتح المنافسة أمام الموردين.

ومنذ أشهر، تعاني مدن ومحافظات عدة من أزمة خانقة في الغاز المنزلي، مع طوابير طويلة أمام محطات التعبئة ونقص متكرر في الكميات، بينما يضطر مواطنون إلى البحث عن المادة في السوق السوداء بأسعار أعلى من الأسعار الرسمية.

وفي عدن، يقول مواطنون إن الحصول على أسطوانة الغاز أصبح رحلة يومية شاقة، في ظل محدودية الكميات وطول فترات الانتظار، فيما يؤكد سكان في المكلا أن الأزمة لم تعد مرتبطة بنقص عابر، وإنما أصبحت مشكلة متكررة تنعكس مباشرة على حياة الأسر.

أما في تعز، فتزداد المعاناة مع ارتفاع الطلب وصعوبة وصول الإمدادات بصورة منتظمة، ما يدفع المواطنين إلى شراء الغاز بأسعار مرتفعة من الأسواق غير الرسمية، وسط غياب حل مستدام ينهي الأزمة بدلاً من الاكتفاء بالمعالجات المؤقتة.

وتكشف هذه المشاهد فجوة واضحة بين تصريحات الجهات الرسمية التي تطمئن المواطنين بشأن استقرار التموين، وبين الواقع الذي يعيشه المستهلكون أمام محطات الغاز، الأمر الذي يفرض تساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء استمرار الاختناقات في مادة يفترض أن تكون من أكثر السلع الأساسية انتظاماً في الإمداد.

وتزداد الانتقادات مع استمرار الاعتماد على مأرب كمصدر رئيسي لإمدادات الغاز، في ظل اتهامات لمصادر حكومية بوجود اختلالات في منظومة التوزيع والنقل، بينها التلاعب بحصص بعض المحافظات واحتجاز القاطرات والتدخلات القبلية والاحتكار في قطاع النقل.

وتقول مصادر حكومية في وزارة النفط إن جزءاً من المشكلة يرتبط بما تصفه بـ"الفساد المستشري" داخل منظومة الغاز، مشيرة إلى أن عمليات النقل والتوزيع تخضع لتداخلات متعددة، وأن بعض الأطراف تفرض تكاليف إضافية تحت مبررات أمنية أو قبلية، بينما تتعرض كميات أخرى للتسرب إلى السوق السوداء أو إلى مناطق سيطرة الحوثيين، وفقاً للمصادر.

في المقابل، أكدت الشركة العامة اليمنية للغاز أن عمليات تحميل الغاز المنزلي من منشأة صافر مستمرة بصورة طبيعية وعلى مدار الساعة، وأنها تواصل تنفيذ خططها لإيصال الإمدادات إلى المحافظات وفق الآليات المعتمدة.

وأرجعت الشركة الانخفاض المؤقت في كميات الغاز ببعض الأسواق إلى أعمال صيانة فنية دورية في منشآت الإنتاج، مشيرة إلى أن أعمال الصيانة شارفت على الانتهاء، وأن معدلات الإنتاج والضخ ستعود إلى مستوياتها الطبيعية خلال الفترة المقبلة.

كما أوضحت أن القطاع القبلي الذي تسبب في احتجاز عدد من قاطرات نقل الغاز خلال الأيام الماضية قد تم رفعه، وأن حركة القاطرات استؤنفت باتجاه وجهاتها المختلفة.

لكن هذه التفسيرات، رغم أنها تقدم أسباباً تشغيلية للأزمة، لا تجيب بصورة كاملة عن سؤال أوسع يطرحه المواطنون: لماذا لا يتم اللجوء إلى الاستيراد كخيار موازٍ عندما يتكرر العجز وتتأثر الأسواق لأسابيع أو أشهر؟.

وفي محاولة للسيطرة على سلسلة نقل الغاز، اتجهت السلطات إلى فرض أجهزة تتبع عبر الأقمار الصناعية على مقطورات نقل الغاز، بهدف مراقبة مساراتها والحد من التهريب والتلاعب بالحصص والسوق السوداء.

كما أُقر تشكيل غرفة عمليات مشتركة لتنظيم حركة مقطورات الغاز القادمة من مأرب، مع إلزام الناقلين باستخدام أجهزة التتبع، في محاولة لضمان وصول الكميات إلى وجهاتها المحددة.

وتمثل هذه الخطوة أداة رقابية مهمة إذا جرى تطبيقها بصورة شفافة، لكنها تظل معالجة لجزء من المشكلة، إذ إن تتبع القاطرات لن يحل وحده أزمة نقص الإمدادات إذا كانت الكميات المتاحة أصلاً غير كافية أو إذا ظلت قرارات الاستيراد خاضعة لحسابات سياسية ومصالح متضاربة.

كما أن الشركة اليمنية للغاز أعلنت أن أي مقطورة لن يسمح لها بالتحميل ما لم تكن مجهزة بنظام التتبع الآلي، في إطار تشديد الرقابة على سلسلة الإمداد.

ويبرز اسم منشأة غاز بروم في حضرموت كأحد الخيارات الممكنة لتنويع مصادر الإمداد. فقد خضعت المنشأة خلال السنوات الأخيرة لأعمال صيانة وتأهيل ورفع للكفاءة، وأعلنت الجهات الرسمية أن مشروع الأنبوب البحري فيها يفتح المجال أمام استيراد الغاز عند الحاجة. كما يجري العمل على تطوير خزانات استراتيجية لزيادة القدرة التخزينية.

وتشير بيانات الشركة اليمنية للغاز إلى أن مشروع خزانات بروم يستهدف توفير مخزون استراتيجي، بطاقة تخزين تقديرية تصل إلى نحو 600 طن متري من غاز LPG، مع إمكانية استقبال الغاز وتفريغه في الخزانات وإعادة تحميله للمقطورات.

وهذا يعني أن خيار الاستيراد ليس مجرد فكرة نظرية، بل توجد بنية تحتية يجري تطويرها رسمياً لهذا الغرض. ولذلك فإن استمرار تجاهل هذا الخيار في أوقات الأزمات يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة القرار الذي يمنع تنويع مصادر الإمداد.

وتشير الوقائع إلى أن أزمة الغاز في المحافظات المحررة لم تعد مجرد مشكلة إنتاج، بل أزمة إدارة وسلاسل إمداد ورقابة وشفافية. فحتى مع تأكيد الشركة استمرار التحميل من صافر، فإن تكرار الطوابير ونقص المعروض وارتفاع الأسعار يعني أن هناك خللاً ما بين مرحلة الإنتاج ووصول المادة إلى المستهلك.

كما أن منشأة بروم، التي جرى تأهيلها وتطويرها بهدف رفع كفاءتها وفتح المجال أمام الاستيراد عند الحاجة، تمثل فرصة لتنويع مصادر الغاز وإنشاء مخزون استراتيجي يقلل من هشاشة السوق أمام أي تعطل في مأرب أو طرق النقل.

وتتحدث مصادر حكومية عن اختلالات مالية وإدارية أوسع في قطاع الغاز، تشمل طريقة تحصيل الإيرادات وتوريدها، ووجود عمولات وتكاليف إضافية مرتبطة بالنقل والتوزيع، إلى جانب اتهامات بالتلاعب في الحصص وتهريب جزء من الإمدادات.

وفي ظل استمرار الأزمة، يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف في هذه المنظومة؛ يدفع ثمناً مرتفعاً لغاز محلي، ينتظر ساعات أمام المحطات، ثم يسمع تطمينات رسمية عن استقرار التموين بينما الواقع في الأسواق يقول شيئاً آخر. أما الحل، فلا يبدو في المزيد من البيانات أو تتبع القاطرات وحده، بل في تنويع مصادر الإمداد، وشفافية الإيرادات، ومكافحة الاحتكار والتهريب، وإخضاع كامل منظومة الغاز لرقابة مالية وإدارية مستقلة.