أخبار محلية

شعب جاهز… وحرب بلا قرار

المنتصف نت- المنتصف نت 08/08/2026 19:36 210 مشاهدة
شعب جاهز… وحرب بلا قرار

في اليمن، تبدو الصورة اليوم غريبة إلى حدٍّ مؤلم؛ شعب أنهكته الحرب، لكنه لم يفقد رغبته في الخلاص، وقوات صمدت سنوات طويلة في مختلف الجبهات، وأبناء وطن مستعدون للتضحية من أجل استعادة الدولة وإنهاء سيطرة الحوثي، بينما يبقى القرار السياسي معلّقًا، وكأن الجميع ينتظر لحظة لا تأتي.
نعم، شعب جاهز وحرب بلا قرار.
اليمنيون لا يبحثون عن حرب من أجل الحرب، ولا يريدون فتح جبهة جديدة لمجرد القتال، فقد ذاقوا الحرب وعرفوا ثمنها، ودفعوا من أبنائهم وأموالهم وأمنهم ومستقبلهم الكثير.
لكنهم في الوقت نفسه لا يريدون أن تتحول الحرب إلى حالة دائمة بلا نهاية، ولا يريدون أن تبقى البلاد رهينة لهدنة مؤقتة يعقبها تصعيد، أو حوار يتوقف عند أول اختبار، أو مبادرات تفتح الأبواب ثم تغلقها دون أن تعالج أصل المشكلة.
الشعب يريد نهاية حقيقية لهذه المأساة.
يريد دولة.
يريد مؤسسات.
يريد جيشًا واحدًا.
يريد قانونًا يسري على الجميع.
ويريد أن تنتهي فكرة أن السلاح هو الطريق إلى السلطة، وأن من يمتلك الصاروخ أو الطائرة المسيّرة يستطيع أن يفرض شروطه على وطن بأكمله.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن المشكلة ليست في غياب المبادرات، فقد طُرحت المبادرات، وعُقدت اللقاءات، وفتحت أبواب الحوار، وأُعلنت الهدن، لكن أصل الأزمة بقي قائمًا.
وكلما ظن اليمنيون أن باب الحل قد اقترب، عاد التصعيد من جديد.
ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: هل يستطيع اليمن أن يخوض معركة جديدة؟
بل السؤال الأهم: هل تمتلك الشرعية قرارًا واضحًا لإنهاء الحرب وبناء الدولة؟
فالشرعية ليست مجرد اسم سياسي أو اعتراف دولي.
الشرعية مسؤولية وقرار وقدرة على حماية الدولة والدفاع عن مؤسساتها. وإذا كانت ترى أن استعادة الدولة هدفها، فعليها أن تمتلك مشروعًا واضحًا لتحقيق هذا الهدف، سياسيًا كان أو عسكريًا أو مزيجًا من الاثنين.
أما أن يبقى الشعب ينتظر، والجندي في موقعه، والوطن ينزف، والقرار مؤجلًا، فهذه ليست إدارة ناجحة للأزمة؛ بل أزمة قرار.
الشعب اليوم لا يطالب بالذهاب إلى حرب عبثية.
هو يطالب بأن تعرف القيادة ماذا تريد.
فإذا كان الحل السياسي ممكنًا ويؤدي فعلًا إلى إنهاء الانقلاب وإعادة مؤسسات الدولة، فليكن هناك قرار سياسي شجاع وواضح.
أما إذا وصلت القيادة إلى قناعة بأن الحوثي لا يريد حلًا سياسيًا حقيقيًا، وأن التصعيد مستمر، وأن السلاح أصبح وسيلة لفرض الأمر الواقع، فعندها يجب أن يكون هناك قرار حاسم، وخطة واضحة، وهدف واضح، ونهاية واضحة.
ولا يمكن أن تبقى البلاد في المنطقة الرمادية إلى ما لا نهاية.
لا حرب تنتهي.
ولا سلام يتحقق.
ولا دولة تستعيد عافيتها.
ولا اقتصاد يتعافى.
ولا مواطن يعرف ماذا ينتظره غدًا.
والأخطر من ذلك أن استمرار الانتظار قد يجعل الحوثي يعيد حساباته، بينما يدفع المواطن الثمن كل يوم.
لقد صمد اليمنيون سنوات طويلة. وفي كل محافظة ومدينة وقرية قصص من الصبر والتضحيات.
هناك من فقد أبًا، ومن فقد أخًا، ومن فقد ابنه، وهناك أسر عاشت سنوات في النزوح، وشباب توقفت أحلامهم، وطلاب درسوا في ظروف قاسية، وأطباء ومعلمون وموظفون عاشوا وسط انهيار اقتصادي وخدمات متراجعة.
وكل هذه التضحيات تحتاج إلى إجابة.
والإجابة ليست مزيدًا من الانتظار.
الإجابة أن يكون هناك مشروع وطني واضح.
مشروع لا يجعل المعركة حربًا بين اليمنيين، ولا يحول الانتصار إلى غنيمة سياسية لطرف، وإنما يجعل الهدف هو استعادة الدولة.
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة للجميع: إذا فُرض الحسم العسكري كخيار أخير، فلا ينبغي أن يكون هدفه الانتقام أو تدمير اليمن، بل إنهاء سلطة السلاح خارج الدولة، مع حماية المدنيين، ثم الانتقال مباشرة إلى بناء السلام السياسي.
لأن الحسم العسكري وحده لا يبني وطنًا.
قد ينهي معركة، لكنه لا ينهي أسباب الصراع إذا لم تتبعه دولة عادلة ومؤسسات قوية.
ولهذا فإن اليوم التالي للحرب يجب أن يكون حاضرًا في ذهن القيادة منذ اليوم الأول.
ماذا بعد الحسم؟
من يدير الدولة؟
كيف توحّد المؤسسات؟
كيف يُعاد بناء الجيش والأمن؟
كيف يُوحّد الاقتصاد؟
كيف تعود الخدمات؟
كيف تُفتح الطرق؟
كيف يعود النازحون؟
وكيف يشعر المواطن في صنعاء وعدن وتعز والحديدة والضالع وحضرموت وكل محافظة أن الدولة عادت إليه، وليست مجرد سلطة جديدة جاءت لتفرض نفسها؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تسبق أي قرار.
فاليمن لا يحتاج إلى منتصر جديد يحمل راية جماعته.
اليمن يحتاج إلى دولة تنتصر للجميع.
دولة لا تقصي أحدًا بسبب منطقته، ولا تمنح أحدًا حق فرض إرادته بالسلاح.
دولة يكون فيها التنافس سياسيًا، والاختلاف عبر المؤسسات، والسلطة عبر صناديق الاقتراع، والجيش ملكًا للوطن، والسلاح تحت سلطة الدولة.
ولهذا فإن الشعب عندما يقول إنه جاهز، فهو لا يعني أنه يريد استمرار الحرب إلى الأبد.
بل يعني أنه مستعد لتحمل مسؤولية معركة الخلاص إذا كانت لها أهداف واضحة، وقيادة واضحة، ومشروع واضح، ونهاية واضحة.
لكن ما لا يقبله الشعب هو أن تستمر التضحيات بلا قرار، وأن يبقى الجنود في الجبهات بلا أفق، وأن تبقى الدولة في حالة انتظار دائم.
الشعب ليس خائفًا من المعركة بقدر خوفه من أن تضيع تضحياته بلا نتيجة.
والشرعية أمام اختبار تاريخي.
إما أن تستمر في إدارة الأزمة وانتظار ما قد يأتي من الخارج، وإما أن تتحول إلى قيادة تمتلك رؤية وقرارًا ومسؤولية.
فالقرار لا يعني بالضرورة اختيار الحرب فقط.
القرار يعني أن تعرف الدولة ماذا تريد، وأن تستخدم كل أدواتها لتحقيق هدفها، وأن لا تسمح بأن يصبح مستقبل اليمن رهينة للتردد.
اليمن بحاجة إلى قرار يعيد الثقة.
قرار يجمع القوى المناهضة للحوثي حول مشروع الدولة، لا حول مشاريع النفوذ.
قرار يجعل القضية الأساسية هي استعادة مؤسسات الدولة، لا توزيع المناصب.
قرار يضع اليمن فوق الحسابات الحزبية والمناطقية والشخصية.
فإذا كان الطريق إلى الحل سياسيًا، فليكن سياسيًا حقيقيًا لا مجرد تأجيل.
وإذا أصبحت المواجهة ضرورة لا مفر منها، فلتكن مواجهة مسؤولة هدفها إنهاء الحرب لا إطالتها، واستعادة الدولة لا تدميرها، وفتح الطريق أمام سلام دائم لا أمام جولة جديدة.
لقد تعب اليمن.
وتعب الشعب.
وتعب الجندي.
وتعبت المدن.
وحان الوقت لكي يعرف الجميع إلى أين يتجه هذا الوطن.
شعب جاهز، لكنه لا يريد حربًا بلا نهاية.
وجيش صامد، لكنه يحتاج إلى قرار.
ودولة تنتظر، لكنها لا تستطيع الانتظار إلى الأبد.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط في الجبهة؛ المعركة الحقيقية تبدأ في غرفة القرار.
هناك يُحدَّد الهدف.
وهناك تُرسم النهاية.
وهناك يعرف الجندي لماذا يقاتل، ويعرف المواطن لماذا يصبر، ويعرف السياسي إلى أين يقود البلاد.
ولهذا فإن اليمن اليوم لا يحتاج إلى خطاب جديد بقدر ما يحتاج إلى قرار شجاع ومسؤول.
قرار ينهي حالة التعليق، ويضع اليمن على طريق الدولة.
فالشعب الذي صبر كل هذه السنوات لا يطلب المستحيل.
إنه يريد فقط أن يرى نهاية واضحة للطريق.