شهدت السنوات الماضية بروز ثلاث تشكيلات عسكرية رئيسية لعبت دورًا محوريًا في مواجهة جماعة الحـ ـوثيين، وهي قوات العمالقة السلفية، والقوات الجنوبية، وقوات المقاومة الوطنية. وقد أشرفت دولة الإمارات العربية المتحدة على تأسيس هذه التشكيلات وتسليحها وتدريبها، وزودتها بقدرات قتالية مكنتها من تنفيذ عمليات عسكرية واسعة، كانت خلالها رأس الحربة في معظم العمليات العسكرية التي شهدتها الساحة اليمنية في مواجهة مليشيا الحـ ـوثيين .
وخلال تلك المرحلة، حققت هذه القوات انتصارات عسكرية بارزة في جبهتي الساحل الغربي وشبوة، واستطاعت تحرير مساحات واسعة من الأراضي، كما أثبتت كفاءة عالية في تنفيذ العمليات البرية، وهو ما جعلها تمثل ثقلاً عسكريًا مؤثرًا في موازين القوى على الأرض.
لكن بعد خروج الإمارات من التحالف العربي وما تلى ذلك من احداث وتولي المملكة العربية السعودية الإشراف المباشر على هذه التشكيلات، طرأ تغيير واضح على طبيعة المهام الموكلة إليها. فبدلاً من استمرارها في تنفيذ العمليات القتالية على خطوط المواجهة، جرى توجيه معظمها إلى أداء مهام أمنية وحماية المنشآت وتأمين المدن، لا سيما في العاصمة عدن.
ومن أبرز المؤشرات على هذا التحول، سحب جميع وحدات ألوية العمالقة الجنوبية من جبهات القتال مع جماعة الحـ ـوثيين في الساحل الغربي وشبوة، وعدم الدفع بها مجددًا إلى خطوط التماس، مع الاكتفاء بتوفير دعم تشغيلي لها يغطي الاحتياجات اليومية، دون تقديم دعم لوجستي أو عسكري نوعي يسمح بإعادة بناء قدراتها أو توسيع عملياتها العسكرية.
وفي المقابل، شهدت الأشهر الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في مستوى الدعم السعودي المقدم لقوات درع الوطن وقوات الطوارئ اليمنية، سواء من حيث التسليح أو التدريب أو التجهيز، خصوصًا عقب التطورات التي شهدتها محافظة حضرموت، وما أعقبها من تغييرات سياسية وعسكرية، من بينها حل المجلس الانتقالي الجنوبي، الأمر الذي أوجد واقعًا عسكريًا جديدًا داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية.
وبالنظر إلى هذه التطورات، يرى بعض المراقبين أن المملكة باتت تعتبر قوات درع الوطن وقوات الطوارئ التشكيلين الأكثر ارتباطًا برؤيتها العسكرية في اليمن، وأنها تراهن عليهما باعتبارهما القوة التي يمكن الاعتماد عليها في تنفيذ أي عمليات عسكرية مستقبلية، في حين لا تزال تنظر بحذر إلى القوات الجنوبية وقوات المقاومة الوطنية، نتيجة اعتبارات سياسية وعسكرية تتعلق بطبيعة ارتباط هذه التشكيلات ومساراتها السابقة.
ومن هذا المنطلق، تبدو عملية إعادة توزيع الدعم العسكري خلال المرحلة الأخيرة وكأنها تعكس إعادة رسم لخريطة النفوذ العسكري داخل معسكر الشرعية، بحيث تنتقل الأولوية تدريجيًا إلى تشكيلات جديدة تحظى بدعم مباشر، بينما يتم الإبقاء على التشكيلات الأخرى في أدوار أمنية أو دفاعية محدودة.
ويذهب بعض المحللين إلى أن هذا التوجه قد يكون مرتبطًا بخطط عسكرية مستقبلية، من بينها إمكانية الدفع بقوات درع الوطن وقوات الطوارئ لتنفيذ عمليات باتجاه محافظة البيضاء ومأرب والجوف ، باعتبارها إحدى أهم الجبهات التي يمكن أن تشكل نقطة انطلاق نحو المحافظات الخاضعة لسيطرة جماعة الحـ ـوثيين إذا توفرت الظروف العسكرية والسياسية المناسبة.
وفي المقابل، يبدو أن جماعة الحـ ـوثيين تراقب هذه التحركات عن كثب، وهو ما قد يفسر تكثيفها خلال اليومين الاخيرين للهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة على معسكرات قوات الطوارئ في محافظتي مأرب وحضرموت، في محاولة لإضعاف هذه القوات قبل دخولها أي معركة واسعة، أو لإرسال رسائل ردع استباقية بشأن أي تحركات هجومية محتملة.
كما لا يمكن استبعاد أن تكون هذه الهجمات جزءًا من استعدادات الجماعة لعملية عسكرية برية أوسع تهدف للسيطرة على منابع النفط في محافظة مأرب ، خصوصًا إذا رأت أن الظروف الميدانية باتت مواتية. وتبقى منشآت صافر النفطية من أكثر الأهداف الاستراتيجية أهمية، سواء بسبب قيمتها الاقتصادية وكذلك ردا على قرار الحكومة الشرعية إعادة تصدير النفط.
ختاما، فإن المشهد العسكري في اليمن يشهد مرحلة إعادة تشكيل لمراكز القوة وأولويات الدعم، وسط تغيرات إقليمية وسياسية متسارعة. غير أن تقييم دوافع هذه التحركات أو الجزم بخطط العمليات المستقبلية يبقى في إطار التحليل والتقدير، إذ يعتمد على معطيات قد تتغير تبعًا لتطورات الميدان والقرارات السياسية خلال الفترة المقبلة.
#طلال_لزرق
أخبار محلية
خريطة النفوذ العسكري الجديدة في اليمن.. قراءة في التحولات الأخيرة
كتب / طلال لزرق