مقالات

وطن تحت ظلّ المليشيات .. 

بوست 24 07/08/2026 14:06 265 مشاهدة
وطن تحت ظلّ المليشيات .. 

حالة من الوهن المزمن، والتراخي القاتل، واللامبالاة التي تلامس حدّ التواطؤ... هذا أقلّ ما يمكن أن يُوصف به المشهد الذي تقدّمه جبهة الشرعية والتحالف .

يا للهول! كيف استأسدت جماعة ميليشياوية سلالية، مرفوضة شعبيًا ووطنيًا وإقليميًا، واستحالت كابوسًا يهدّد الأمن الإقليمي والدولي؟!

نعم، لقد تحوّلت إلى قوة ضاربة، لا لشيء إلا لأنها وجدت خصومها مجرّد طوائف متناحرة، تتنمّر على بعضها في هشاشة لا تُقاوم ، تتصارع على الفتات فيما الحوثي ما زال مستحكمًا بمقدّرات الدولة العسكرية والمالية والتقنية والسيادية.

إن ما يحدث لا يثير الغضب وحده، وإنما يثير إحساسًا غامرًا بالاشمئزاز والخزي ؛ فالسيد وأتباعه يهدّدون العالم من كهوفهم، ويواجهون أمريكا وإسرائيل بالمزيد من القتل لليمنيين والخراب لوطنهم.

صواريخ ومسيّرات تضرب السفن في قلب البحر الأحمر، وتستهدف ألوية وكتائب الشرعية في حضرموت ومأرب والضالع، وكأن جبهة الدولة مجرّد هدف عسكري في العراء .

الأمر لم يقف عند هذا الحد؛ بل ما فتئ الحوثي يلوّح بضرب المعسكرات والمنشآت النفطية، ويمدّ يده النارية أبعد، ليطلق صواريخه ومسيّراته نحو السعودية، الدولة الحليفة التي تختزن في جعبتها أحدث منظومات الدفاع الجوي وأسرابًا من طائرات مقاتلة قادرة على دكّ المعاقل والكهوف، لو وُجدت إرادة سياسية تتجاوز تردّد اللحظة وحسابات السياسة.

منذ اللحظة الأولى لانفجار الحرب، لم نكفّ عن المناداة بأن تعالج الشرعية وحكوماتها الاختلالات القاتلة التي تنخر جسد الدولة . وفي رأس القائمة ، سيطرة المليشيات الحوثية على قطاع الاتصالات، ذاك القطاع الحيوي الذي يتحكّم في مسار المعركة العسكرية والاقتصادية، ويمنح العدو إيرادات مالية ضخمة، ويُبقيه متحكّمًا في المعلومة والردع السيبراني .

لكن، يا فصيح لمن تصيح؟ لقد تُركت المليشيات تنهب وتعبث وتُسخّر كل مقدرات الدولة الحيوية في خدمة حربها على الدولة ذاتها، وعلى الإقليم، وفي سبيل تصدير ثورتها الموهومة وأفكارها العقيمة إلى فضاء أوسع من الدم والدمار .

نعم، بدلًا من أن تُهزم المليشيات الانقلابية وتُجهض جريمتها في أسابيع أو أشهر، تحوّلت إلى بعبع أسطوري يطلق النار ويقتل، ويهدّد من مسافات بعيدة، ويُحكم قبضته على الجغرافيا والديموغرافيا.

لقد صارت الحرب مأساة ممتدّة، بل تجارة رابحة، وغنائم تُقسّم بين لصوص الصراع من الجانبين . وما كانت الحرب لتطول وتتمدد تحت سماء اليمن الحزينة، لولا أن جبهة الشرعية تملك جيشًا وطيرانًا ومؤسسات عسكرية وأمنية واستخباراتية، فلقد تحوّلت هذه المسميات في المحصّلة إلى هياكل بلا روح ، وإرادة معطوبة تنتظر أن يوقظها زلزال .

هل يُعقل أن تقوم جماعة محاصَرة عربيًا ودوليًا، مفروضة عليها عقوبات ومحظورات، بعمليات اغتيال ممنهجة تطال شخصيات عسكرية وأمنية ومدنية في قلب المحافظات المحرّرة، دون أن نرى ردّة فعل واحدة حازمة من جبهة الشرعية؟! وهل ثمة عقل يمكنه أن يستسيغ هذا التناقض الكارثي ؛ جماعة محاصَرة بالسياسة تنتصر بالسلاح، ودولة تملك مفاتيح القوة لكنها تستسلم بعجزها؟!

في المحصّلة، ليست المشكلة أن المليشيات تملك صواريخ ومسيّرات؛ فكل قوة تقوم على ضعف مقابل. المشكلة الكبرى أن الدولة تحوّلت إلى ظاهرة صوتية، والتحالف إلى ضرورة غائبة، والشرعية إلى مكوّنات عبثية متنازعة.

نحن لا نواجه عدوًا استثنائيًا بقدر ما نعيش داخل انهيارنا الأخلاقي والسياسي؛ لقد صرنا نُنتج خصومنا بسبب تقاعسنا، ونُصدّر ضعفنا ، ونتباهى بسقوطنا المتدرّج تحت وطأة صواريخ من لا يملك إلا أدوات الموت والقتل .

السؤال المؤلم الذي يتكرر منذ اندلاع الحرب: كم جنازة ينبغي أن نُشيّع حتى نستفيق؟ وإلى متى نظلّ على هذه الشاكلة المهينة لكل إنسان يقف في مواجهة المليشيات السلالية المنقلبة على الدولة وعلى إرادة غالبية اليمنيين؟!

محمد علي محسن