في إمامة العبث الحوثية، يبدو أن الوقت الأصلي قد انتهى منذ أمدٍ بعيد، وتحديدًا في تلك اللحظة التي قررت فيها المليشيا إعلان صيام أبدي عن الرواتب، وافتتاح مطعم الصدمات الاقتصادية المجانية. غير أن صُنّاع القرار في "غرفة الملابس" لم يكتفوا بإنهاء المباراة، بل قرروا اللعب في الوقت بدل الضائع للشوطين الإضافيين، وكأنهم يراهنون على أن الشعب اليمني سيتحول فجأة إلى منتخب برازيلي يقرر قلب النتيجة في الدقيقة المئة من الجوع!
حارس مرمى بلا قفازات.. ولا شرف رياضي
أما عن حارس مرمى هذه المهزلة، فهو الأسوأ في تاريخ الكرويات كلها؛ حارسٌ لا يكتفي بالوقوف متفرجًا وهو يتلقى الأهداف في مرماه، بل يتولى بنفسه حفر حفرة خلف خط الظهر ليتأكد من دخول الكرة، ثم يخرج على الجماهير ليخطب فيهم عن "فضيلة الصبر" و"أهمية التقشف في استهلاك الهواء".
حارسٌ يتقن فنون المراوغة ضد جيوب المواطنين، ويحرس مرمى مصالحه الخاصة بكل شراسة، بينما يترك الشباك ممزقةً على رياح الفقر والبطالة والمرض. وإن تجرأ أحدهم وسأله عن ركلات الترجيح القادمة، اكتفى بالتلويح بلافتة شعار، مهددًا بأن أي اعتراض على "سوء الحراسة" يعتبر خيانة عظمى للاعبين في خط الهجوم (الذين يقضون أوقاتهم في تحصيل الجبايات وجمع الإتاوات).
لاعبون مستنفدون.. وجماهير على المدرجات الخاوية
على أرضية الميدان، استنفد لاعبو المليشيا كل طاقاتهم في الوقت الأصلي؛ لا في الابتكار أو البناء، بل في اختراع فصول جديدة من الجباية، وابتكار ضرائب على الموت، والزواج، والهواء الذي يملأ صدور البائسين.
لقد جفّت عقولهم تمامًا، ولم يعد في جعبتهم سوى أسطوانة "المؤامرة الكونية"، التي تُعزف بأسطوانة مشروخة لا تُطرب حتى الطيور النافقة على أسوار المدن المحاصرة.
أما المواطن المسكين، فهو ذلك المشجع الواقف على مدرجات الخراب، حافي القدمين، يتابع المباراة ببطن خاوٍ وعينين تائهتين. لا طاقة له بالتشجيع، ولا قدرة له حتى على التذمر خوفًا من "بطاقة حمراء" طارئة تُرسله إلى غرف التوقيف بتهمة "إزعاج المليشيا الرياضية".
لا ركلات ترجيح.. النهاية حتمية
وأسوأ ما في هذا الكابوس الكروي الساخر، أنه لا توجد أية فرصة للوصول إلى ركلات الترجيح والتعادل؛ فالخصم (الواقع المعيشي المتردي والانهيار المتسارع) لا يعترف باللوائح ولا بقواعد الفيفا. هنا، الخسارة محققة بقانون الجاذبية ومخرجات الجوع، والجماهير لا تملك تذاكر العودة، ولا تملك رفاهية تبديل المدرب المأفون.
إنها باختصار مباراة من طرف واحد: المليشيا تلعب.. والمواطن يُحشر في الزاوية، بانتظار صافرة أبدية تطوي هذه الصفحة الساخرة المظلمة إلى غير رجعة.
صافرة النهاية.. هل يصحو الميدان؟
"إنها ليست مجرد مباراة مؤجلة، بل هي معركة وجودية يقودها عبث منقطع النظير ضد شعب أُنهكت قواه بالكامل."
على الرغم من قسوة المشهد وطول أمد هذا الشوط الطويل الذي فرضته سلطة الأمر الواقع، فإن التاريخ الرياضي والإنساني يعلمنا أن كل الطغيان له نهاية حتمية، وأن الجماهير التي صبرت طويلًا على مدرجات الجوع والقهر لن تستمر إلى الأبد في موقع المتفرج الصامت.
سيأتي اليوم الذي تلفظ فيه الملاعب هذا العبث الحوثي برمته، وتُرفع فيه البطولات الحقيقية للكرامة والحرية، لا للجبايات والإتاوات. وعندها فقط، ستُطوى صفحة هذه الكوميديا السوداء إلى غير رجعة، ليعود المواطن اليمني مالكًا لقراره، وصانعًا لملعبه، ومحتفلًا بنصره المؤزر على كل جراح الماضي والظلام.