13 عائلة تستحوذ على 131 منحة وتزوير توقيعات رئاسية ورسائل (واتساب) بديلة لشهادات الثانوية
متابعات خاصة
فجّر تقرير لجنة مراجعة قوائم المبتعثين وآليات الابتعاث في الخارج، الذي أعيد تداوله على نطاق واسع في الأوساط الصحفية والإعلامية، واحدة من أضخم فضائح الفساد المالي والإداري في تاريخ الدولة الحديث؛ كاشفاً عن تحويل المنح الدراسية والاعتمادات المالية الحكومية إلى إقطاعيات عائلية مغلقة للنافذين والمسؤولين، على حساب آلاف الطلاب المتفوقين والمستحقين من أبناء البسطاء.
وأماط التقرير اللثام عن شبكة معقدة من المحسوبية، والمصاهرة، والتزوير، وإهدار الموارد السيادية الشحيحة، في ملف تُقدر تكلفته السنوية بنحو 4 ملايين دولار؛ حيث تحولت البعثات والتبادل الثقافي إلى هبات سياسية ومجاملات على حساب الاستحقاق العلمي.
الهيمنة العائلية.. 13 أسرة تتفوق على الجامعات الحكومية
وثّقت اللجنة ظاهرة احتكار الأقارب لكشوفات الابتعاث، مشيرة إلى أن 284 عائلة فرضت هيمنتها المطلقة على القوائم، بينها 13 عائلة فقط استحوذت بمفردها على 131 منحة دراسية.
ووصل طغيان النفوذ العائلي إلى حد حصول بعض الأسر على 16 مقعداً دراسياً، وهو رقم يتجاوز ماُخصص لمؤسسات تعليمية وأكاديمية كاملة؛ حيث كشف التقرير –على سبيل المقارنة– أن "جامعة إقليم سبأ" الحكومية لم تحصل إلا على منحة واحدة فقط، في حين نالت أسرة واحدة 16 منحة على نفقة الدولة.
وجاءت قائمة أكثر العائلات استحواذاً على المقاعد الدراسية والمساعدات المالية كالتالي:
• عائلة أبو حاتم: 16 منحة.
• عائلتا الفقية والقاضي: 15 منحة لكل منهما.
• عائلة الطاهري: 13 منحة.
• عائلات القدمي، الشرجي، وكزمان: 11 منحة لكل عائلة.
• عائلة شرف الدين: 10 منح.
• عائلة عرجاش: 8 منح.
• عائلتا العمراني والفاتش: 6 منح لكل منهما.
• عائلتا المولد والمليكي: 5 و4 منح على التوالي.
وأوضح التقرير أن ظاهرة "الإخوة المبتعثين" شكلت 33% من إجمالي المقيدين في كشوفات البعثات، برصد 508 حالات أشقاء (تراوحت بين شقيقين إلى 5 أشقاء في الأسرة الواحدة). وللتملص من الرقابة والمساءلة، تعمدت بعض القيادات تغيير الاسم الرابع أو حذف لقب العائلة في الوثائق الرسمية لإخفاء صلة القرابة.
نزيف العملة الصعبة وتمرير الطلاب الراسبين
من جانبه، يسلط القراءات التحليلية للتقرير، ومنها قراءة الكاتب سمير سعيد فارع، الضوء على حجم النزيف المالي الحاد للعملة الصعبة في وقت تعاني فيه خزينة الدولة من شلل شبه تام. إذ تدفع الخزانة العامة رسوماً دراسية تصل إلى 7,500 دولار سنوياً للطالب الواحد في التخصصات الطبية، و4,500 دولار في التخصصات الإنسانية.
وفي جمهورية مصر وحدها، بلغت الرسوم الدراسية لـ 237 مبتعثاً أكثر من 1.22 مليون دولار خلال عام واحد، وهو ما يعادل أكثر من نصف ما تنفقه الدولة على الرسوم الدراسية في باقي دول العالم مجتمعة.
ولم تتوقف التجاوزات عند سوء التوزيع، بل امتدت إلى صلب المعايير الأكاديمية:
• معدلات متدنية: ابتعاث طلاب بمعدلات في الثانوية العامة تنحدر إلى الخمسينيات والستينيات لدراسة تخصصات هامة ودقيقة عبر الوساطات والرُّشَى.
• وثائق عبر "واتساب": اعتماد ملفات ناقصة تفتقر لشهادات الثانوية الأصلية، والاكتفاء بصور مرسلة عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي.
• تزوير النتائج: التغاضي عن تزوير نتائج طلاب راسبين وم منحهم قرارات ابتعاث وتوجيهات مالية عليا.
• اختراق السلك العسكري والدبلوماسي: ابتعاث أشخاص مدنيين لا يمتون للمؤسسة العسكرية بصلة عبر وزارة الدفاع لدراسة تخصصات مدنية (مثل العلوم الزراعية)، بالإضافة إلى هيمنة أبناء الدبلوماسيين على منح التبادل الثقافي المخصصة للجامعات الكبرى كـ "الأزهر" (100 منحة سنوياً).
• التزوير الجنائي: تسجيل وقائع تزوير لـ 80 توقيعاً وتوجيهات منسوبة لرئاسة الدولة ووكيل قطاع البعثات، انتهت بإدانة موظفين وسماسرة أمام محكمة الأموال العامة.
استمرار التمويل لـ "المتعثرين" وحرمان المتفوقين
وكشف التقرير عن استمرار صرف المساعدات المالية بالعملة الصعبة لطلاب "متعثرين" منذ الأعوام (2010 و2011 و2012)، رغم مرور أكثر من عقد كامل دون تحقيق أي تقدم علمي أو التخرج، في تجسيد صارخ لهدر المال العام دون حسيب أو رقيب.
وتتجلى المفارقة المؤلمة –بحسب التقرير– في أن أبناء المواطنين البسطاء والمتفوقين يدفنون طموحاتهم ويذهبون إلى جبهات القتال للدفاع عن الوطن، بينما تحظى عائلات المسؤولين، والسياسيين، والدبلوماسيين، والتجار، وحتى بعض المحسوبين على القيادات الحوثية، بامتيازات التمويل الحكومي للعيش والدراسة في الخارج.
مطالبات بالمساءلة وإلغاء القرارات غير القانونية
واختتم التقرير بالتحذير من أن ملف المنح الدراسية تحول من أداة لبناء الكوادر الوطنية إلى "إقطاعيات حصرية وشبكات مجاملة سياسية"، مؤكداً أن استمرار هذا الوضع ينسف مبدأ تكافؤ الفرص ويصادر حقوق أجيال من المتفوقين.
وطالبت أوساط حقوقية وأكاديمية مجلس القيادة الرئاسي والحكومة لاتخاذ قرارات حازمة تشمل:
1. الإلغاء الفوري لكافة القرارات والمنح المخالفة للقانون والضوابط الأكاديمية.
2. استرداد الأموال المنهوبة والمصروفة بغير وجه حق ومحاسبة المتورطين في شبكات التزوير والوساطة.
3. حصر الابتعاث عبر المباشرة بالمفاضلة الإلكترونية المعيرة والمعلنة بشفافية للرأي العام.