تُسلط طفرة الذكاء الاصطناعي الضوء على العجز الخارجي المزمن للولايات المتحدة، حيث يتدفق رأس المال الأجنبي إلى وول ستريت مدفوعاً بالعوائد الواعدة، لكن هذا التدفق يزيد من تفاقم الدين الخارجي للبلاد، مع تحول مصادر التمويل من القطاع الحكومي إلى المستثمرين من القطاع الخاص.
شهدت السنوات الأخيرة ضخ تريليونات الدولارات من قبل المستثمرين حول العالم في سوق الأسهم الأميركية، مدفوعين بالآمال المعقودة على ثورة الذكاء الاصطناعي، والتي حفزت أكبر موجة إنفاق رأسمالي في التاريخ. تعاني الولايات المتحدة من عجز تجاري منذ عقود، ويتطلب تغطية هذا العجز قيام المستثمرين الأجانب بـ "إقراض" أموال للولايات المتحدة عبر شراء أصول أميركية. وعلى الرغم من جهود إدارة ترامب لتقليص هذا العجز من خلال سياسات متنوعة، إلا أن العجز التجاري، الذي كان يحوم حول 3% من الناتج المحلي الإجمالي، يقترب الآن من 4%، وهو فارق كبير في اقتصاد بحجم 31 تريليون دولار.
وعلى مدى العشرين عاماً الماضية، شهدت مصادر تمويل العجز الأميركي تحولاً ملحوظاً من القطاع الحكومي إلى المستثمرين من القطاع الخاص المتعطشين للعائد الأعلى، مما يزيد من إثارة القلق بشأن الالتزامات الخارجية الضخمة للولايات المتحدة. وقد ساهم الاندماج المتزايد للأسواق المالية العالمية في تعزيز تدفق الأموال إلى الأصول المالية الأميركية، حيث يبحث المستثمرون الأجانب عن أسواق كبيرة وسيولة عالية وفرص لتحقيق عوائد مرتفعة. ونتيجة لذلك، حل رأس المال الأجنبي الخاص تدريجياً محل رأس مال البنوك المركزية كمصدر التمويل الرئيسي لعجز الحساب الجاري الأميركي. فقد تراجعت حيازات اليابان والصين من سندات الخزانة الأميركية بشكل كبير، حيث لم تعد تمتلك الدولتان سوى أقل من 4% و 2% على التوالي من هذه السندات، مقارنة بنسب أعلى بكثير في عام 2004 و 2010.
إجمالاً، يمتلك الأجانب حالياً حوالي 30% فقط من إجمالي الدين الفيدرالي الأميركي، بانخفاض عن 50% في عام 2012. وفي المقابل، أصبحت الأسهم أكثر جاذبية، حيث ارتفعت نسبة استثمار المستثمرين الأجانب في الأسهم الأميركية إلى 61% في الربع الأول من عام 2026، مقارنة بـ 22% في سندات الخزانة، بينما كانت النسب في عام 2010 هي ثلث الأصول في الأسهم و 22% في السندات. ووصلت حصة ملكية الأجانب من الأسهم الأميركية إلى مستوى قياسي بلغ 18%، وهو ما يقارب ضعف ما كانت عليه في منتصف العقد الأول من الألفية الثانية.
قد يمثل التحول من تمويل الحكومات إلى التمويل الخاص مصدر قلق. ففي حين أن البنوك المركزية تميل إلى الاستثمار طويل الأجل وتهتم بالأمان ثم السيولة ثم العائد، فإن المستثمرين الأفراد يعكسون هذا الترتيب، حيث يعطون الأولوية للعائد ثم السيولة، وبدرجة أقل الأمان. ولا يشكل هذا مشكلة في أوقات ازدهار أسواق وول ستريت، لكنه قد يؤدي إلى تباطؤ تدفقات رأس المال الخاص وصعوبة تمويل الحساب الجاري الأميركي في حال تراجع أداء وول ستريت أو ظهور أسواق أخرى أكثر جاذبية.
تُعتبر شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة اليوم استثماراً آمناً، حيث تتمتع شركات مثل أبل ومايكروسوفت بتصنيف ائتماني ممتاز (AAA)، مما يجعلها جذابة للمستثمرين، بما في ذلك البنوك المركزية وصناديق الثروة السيادية. وتشير تحليلات إلى أن ربحية الشركات الأميركية تتزايد قوة، بينما تتراجع القوة المالية للولايات المتحدة. وقد يكون أحد الآثار الجانبية غير المرغوب فيها لتوسع الذكاء الاصطناعي هو اتساع عجز الحساب الجاري الأميركي، حيث ترتبط الطفرات التكنولوجية بتدهور مستمر في الحساب الجاري، ويعود ذلك إلى ارتفاع الواردات مع ازدهار الاستثمار في التكنولوجيا، إذ يتم استيراد نحو 90% من المعدات ذات الصلة بقطاع الذكاء الاصطناعي الأميركي من شرق آسيا. كما أن صافي رصيد الاستثمار الأجنبي في أميركا، الذي يمثل مجموع الأصول الأميركية المملوكة للأجانب مطروحاً منه مجموع الأصول الأجنبية المملوكة للأميركيين، وصل إلى نحو 21 تريليون دولار، أي ما يعادل 70% من الناتج المحلي الإجمالي، مما يزيد من معدل انكشاف الاقتصاد الأميركي والعجز التجاري لتغير المزاج الاستثماري للأجانب.