صنعاء | تقرير خاص
دخلت الأزمة الممتدة للقطاع الصحي في مناطق سيطرة جماعة الحوثي منطفاً حرجاً، عقب شلل شبه تام ضرب "هيئة مستشفى الجمهوري التعليمي" بالعاصمة صنعاء — الذي يعد أحد أكبر الشرايين الطبية الحكومية في اليمن — إثر إضراب شامل ينفذه الكادر الطبي والتمريضي والإداري منذ أيام، احتجاجاً على تجاهل مطالبهم المالية وتوقف مستحقاتهم المعيشية لأكثر من ستة أشهر متواصلة.
كشف هذا الإضراب عن الانكشاف الحاد والبنية الهشة التي بات يعاني منها القطاع الصحي، حيث تحوّلت الممرات التي كانت تتنفس بالمرضى والمراجعين إلى ساحات من الإحباط والترقب، تاركةً آلاف الحالات الحرجة والمترددة يومياً تواجه مصيرها المعتم بلا رعاية أو طبابة.
شلل العمليات وتأزم المشهد الإنساني
وفقاً لمصادر طبية وميدانية من داخل المستشفى، جاء قرار تعليق العمل عقب استنفاد كافة مهل المطالبة ومحاولات الحوار مع الإدارة التي تذرعت بـ "انعدام السيولة المالية". ورداً على السخط المتصاعد، اضطرت إدارة المرفق لتلقي الصدمة عبر تعليق الخدمة في أجزاء واسعة من الأقسام التشخيصية والعيادات الخارجية، واقتصار الجهد — بشكل رمزي ومتهالك — على حالات الطوارئ القصوى.
وقد ألقى هذا التوقف بظلاله الثقيلة فوراً على المواطنين؛ إذ اضطر مئات المراجعين، القادمين أغلبهم من أرياف صنعاء والمحافظات المجاورة والذين يعتمدون كلياً على الطب العام المتبقي في المرافق الحكومية، إلى المغادرة دون علاج، وسط تحذيرات حقوقية وأهلية من كارثة إنسانية مرتقبة وتصاعد لمعدلات الوفيات القابلة للتقادي.
هندسة التهميش: آلية "الفئات الثلاث" وسحق الموظف
تأتي هذه الأزمة امتداداً للسياسات المالية والإدارية المفروضة من قبل سلطة الأمر الواقع في صنعاء، والتي جردت الكوادر المدنية والمؤسسات الخدمية من استحقاقاتها الأساسية.
وكانت السلطات القائمة قد أقرت مجدداً آلية لمستحقات الموظفين تقسمهم بموجبها إلى ثلاث فئات:
• الفئتان الأولى والثانية: تشملان القيادات والمؤسسات ذات الطابع السيادي والمالي.
• الفئة الثالثة: وُضع فيها منتسبو القطاعات الخدمية الحيوية — وعلى رأسها التعليم والصحة — إضافة إلى أبناء القطاعات الأهلية والأمن العام، بحيث لا يتلقى هؤلاء سوى ما يُعرف بـ "ربع راتب" يصرف على فترات متباعدة تتجاوز الستة أشهر في أحسن الأحوال.
هذا المخطط الهيكلي تسبب في تآكل القوة الشرائية وتجويع المئات من الأطباء والجراحين والممرضين، مما دفع الكثيرين إما للنزوح باتجاه القطاع الخاص، أو الهجرة خارج البلاد، أو الانخراط في إضرابات مفتوحة بعد الوصول إلى حافة العجز عن توفير أدنى مقومات الحياة لأسرهم.
تبديد الموارد وتحويل مسار التمويل
يرى مراقبون ومحللون محليون أن الإضراب الحاصل في مستشفى الجمهوري ليس سوى رأس الجبل الجليدي لسخط شعبي ومؤسسي مكتوم؛ إذ يتقاطع تدهور القطاع الصحي مع استنزاف واسع لموارد الدولة والقطاعات الإيرادية.
"بينما تواصل السلطات توجيه الجبيات والتحصيلات المدرسية والخدمية والصحية نحو المجهود الحربي والفعاليات العقائدية والأمنية، يتم نسيان الأطباء الذين يشكلون خط الدفاع الأخير للمواطن المعدم."
أفق مسدود وتبعات كارثية
يُشكل إضراب مستشفى الجمهوري مؤشراً خطيراً على الانهيار الوشيك للحد الأدنى من السلامة المجتمعية في صنعاء، ويضع القطاع الصحي برنّته على شفا السقوط النهائي. ومع غياب أي حلول جذرية تلوح في الأفق، يظل المواطن اليمني هو الحصيد الأكبر لهذه الأزمات المتشابكة، حيث يُسلب حقه الأساسي في العلاج والدواء، في وقت لا تلوح فيه في الأفق أي استجابة شجاعة تصون كرامة الطبيب وتنقذ حياة المريض.