في أسابيعه الأخيرة، وقبل أن تداهمه الوعكة الصحية التي أثقلت جسده المبدع، كان هاني شنودة يعيش حالة فريدة من صفاء الذهن والتأمل العميق.
لم يكن خائفاً من الموت، بل كان ينظر إليه بمنظور الفنان الذي أدى رسالته على أكمل وجه. تشير الشهادات الحية للمقربين منه إلى أنه قضى أيامه الأخيرة في شقته عامرة الألفة بالزمالك، بين نوتاته الموسيقية القديمة وألبومات الصور التي توثق عقوداً من الصداع الجميل والنجاحات الساطعة.كان يستقبل زواره من الأصدقاء وتلاميذه النجوم بابتسامته المعهودة التي لم تكن تفارق محياه، متحدثاً بنبرة هادئة تشبه تماماً مقطوعاته البيانو الرقيقة.
لم تكن جلساته الأخيرة مجرد استذكار للماضي، بل كانت نقاشات فلسفية حول قيمة الفن ودوره في تهذيب الروح البشرية، وكأن روحه كانت تستعد للرحيل بترتيب كل التفاصيل الصغيرة والكبيرة في كتاب حياته الحافل.واحدة من أبرز الوصايا التي شدد عليها هاني شنودة في جلساته الخاصة قبيل رحيله بأشهر قليلة، تعلق بضرورة الحفاظ على الهوية الموسيقية المصرية المتفردة وعدم الذوبان الكامل في قوالب العولمة الاستهلاكية السريعة.
كان الموسيقار الراحل يرى أن الموسيقى المصرية تمتلك ثراءً إيقاعياً ومقامياً هائلاً يستطيع غزو العالم، بشرط أن يدرك الشباب أهمية جذورهم.ونقل عنه مقربون قوله في إحدى الجلسات المغلقة: "الموسيقى ليست مجرد أصوات صاخبة، بل هي نبض الشارع وروح الأمة. إذا أردتم أن تعيش ألحانكم، فاستمعوا إلى نبض البسطاء في الحواري والمصانع والقرى".
هذه الوصية لم تكن مجرد نصيحة عابرة، بل كانت ملخصاً لتجربته الفريدة في "فرقة المصريين"، حيث أثبت أن الفن الراقي يمكن أن يكون جماهيرياً وقريباً من قلوب الناس في آن واحد، دون تنازل عن القيمة الفنية أو السقوط في فخ الابتذال.اقتباس من آخر جلساته: "الوصية الحقيقية لأي فنان رحل هي أن تبقى موسيقاه حية في قلوب الناس.. أنا لم أطلب سوى أن تظل الألحان التي صنعتها حارسة لجمال الروح البشرية في وجه القسوة والنسيان".
لم ينسَ هاني شنودة طوال مسيرته، وحتى أيامه الأخيرة، أن يكون الأب الروحي لكل المواهب الشابة والمستقلة التي كانت تقصد بيته أو تستشيره في خطواتها الأولى. وكان طلبه الأخير لكل ملحن وموزع شاب: "لا تخافوا التجديد ولا تنعزلوا عن قضايا عصركم".
عبر شنودة مراراً عن قلقه من تقوقع بعض المؤسسات الفنية التقليدية واجترارها لقوالب قديمة لم تعد تناسب لغة العصر.ودعا في أيامه الأخيرة إلى ضرورة فتح الأبواب واسعة أمام التكنولوجيا الحديثة في الموسيقى، شريطة أن تُستخدم بوعي وثقافة عالية تخدم اللحن ولا تمس جوهره الأصيل.
واعتبر أن كل شاب يبتكر صوتاً جديداً هو امتداد طبيعي لمشروعه الكبير الذي بدأه قبل عقود طويلةسأل أحد المقربين هاني شنودة في أيامه الأخيرة عن شعوره تجاه مسيرته الطويلة، وما إذا كان هناك حلم لم يتحقق بعد، فجاءت الإجابة مفاجئة ومحملة بالرضا الكامل: "لقد أعطيت الموسيقى كل ما أملك، ومنحني الله فرصة أن أرى أثري في عيون جيلين أو ثلاثة من المصريين".
هذا الرضا العميق انعكس على ملامحه وكلماته الأخيرة، حيث أوصى بأن تكون جنازته واحتفالات ذكراه هادئة وراقية تشبه موسيقاه، بعيداً عن الصخب المفتعل، ومحاطة بالحب الصادق من الأصدقاء والجمهور الحقيقي الذي عاش على نغمات البيانو والآلات الوترية التي هندسها ببراعة نادرة.