صنعاء | تقرير استقصائي خاص
بين مطرقة انقطاع المرتبات المستمر منذ سنوات، وسندان الجرعات السعرية والجبايات غير القانونية، يواجه ملايين المواطنين في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية فصلاً جديداً هو الأقسى من حرب التجويع الممنهجة. وتأتي هذه التطورات وسط قفزات جنونية في أسعار المواد الغذائية الأساسية، مدفوعة بقرارات جبائية تفرضها سلطة الأمر الواقع لتمويل ترسانتها العسكرية وأجندتها الإقليمية على حساب القوت اليومي للمواطن.
جرعة صامتة تضرب السلع الأساسية
شهدت أسواق العاصمة المحتلة صنعاء والمحافظات المجاورة موجة غلاء مفاجئة، فرضت بموجبها المليشيا جرعة سعرية "غير معلنة" شملت السلع الحيوية التي لا غنى للأسرة عنها (القمح، الأرز، السكر، زيوت الطبخ، المعلبات، إلى جانب السجائر)، دون أي مسوغ قانوني أو إعلان رسمي.
وأكد مواطنون وتجار في صنعاء أن الزيادات طالت كل شيء بشكل مباشر وسريع:
• سعر عبوة زيت الطهي (5 لتر): قفز فجأة من 5,000 ريال إلى 6,200 ريال.
• الدقيق والأرز: سجلا زيادات متفاوتة جعلت الحصول عليهما بعيد المنال لأسر الموظفين والمعدمين.
"سلاح الجمارك".. جبايات باهظة تحت ذريعة كاذبة
كشف تجار ومستوردون في صنعاء أن هذه الزيادات المفاجئة ليست ناتجة عن تقلبات السوق العالمية، بل جاءت انعكاساً لقرار مصلحة الجمارك الحوثية بفرض إتاوة إضافية بقيمة 5,000 ريال على كل كرتون أو كيس من المواد الغذائية المستوردة.
ذريعة "دعم المرتبات" المستباحة:
تزعم المليشيا الحوثية أن هذه الجبايات مخصصة لـ"صندوق دعم المرتبات"، وهي الحجة التي باتت تثير سخرية واسعة في الشارع اليمني؛ إذ لم يرَ الموظفون ريالاً واحداً من هذه الجبايات المليارية منذ سنوات، بينما تذهب الحصيلة مباشرة لتمويل الاستعراضات العسكرية وأنشطة الجماعة الطائفية.
شهادات حية من رصيف المعاناة: "نشتري بنصف الكيلو"
تحدث المواطن سعيد النهاري، وهو معلم حكومي يعيش بلا راتب منذ سنوات، بحرقة عن تدهور الوضع المعيشي قائلاً: "كل أسبوع نفاجأ بأسعار جديدة والرواتب مقطوعة. أصبحنا ندفع الحساب مضاعفاً مقابل الكهرباء، المياه، والاتصالات، حتى الخدمات التي كانت شبه مجانية أصبحت عبئاً يلتهم ما يتبقى من رمق أطفالنا. لم نعد نفكر في تحسين حياتنا، بل في كيفية توفير وجبة واحدة لنسد بها رمق الصغار."
من جانبها، تصف المواطنة سلوى أحمد مشهد الأسواق الحزين بالقول: "كنا نشتري احتياجات الشهر أو الأسبوع، أما اليوم فنشتري بنصف الكيلو أو الغرام، وأحياناً نغادر السوق بأيدٍ فارغة لأن الغلاء فاق كل الحدود. الجوع طرق أبواب كل البيوت، والشباب بلا عمل، والأسعار ترتفع بلا رحمة."
حصار "الراهدة" وزيادة جمركية بنسبة 400%
لم تتوقف مقصلة الجبايات عند المنافذ الخارجية؛ بل امتدت لتطال المنافذ الداخلية الرابطة بين المحافظات. فقبل أيام فقط، فرضت المليشيا الحوثية رسوماً جمركية إضافية بلغت 400% على شحنات الدقيق القادمة عبر منفذ "الراهدة" بمحافظة تعز، مما تسبب في شلل حركة الشاحنات واحتجاجات واسعة للسائقين، وحذر اقتصاديون من أن هذه الإجراءات ستقود حتماً إلى موجة غلاء جديدة تضرب رغيف الخبز والمنتجات الأساسية.
مؤشرات الانهيار: تقارير دولية تدق ناقوس الخطر
تتلاقى هذه المعاناة الميدانية مع تحذيرات ومؤشرات مرعبة أطلقتها المنظمات الإنسانية الدولية بشأن الوضع الإنساني الكارثي في اليمن:
1. تقرير برنامج الأغذية العالمي (WFP)
أكد البرنامج الدولي أن السياسات الاقتصادية والجبائية الحوثية، ومصادرة أصول التجار، ضيقت الخناق على القطاع الخاص وقلصت فرص العمل بشكل حاد. وأشار التقرير إلى أن:
• 70% من السكان في مناطق سيطرة الحوثيين أكدوا انخفاض دخولهم الشهرية بشكل قياسي.
• أزمة السيولة النقدية والقيود المفروضة على التجار شلت القدرة الشرائية للمجتمع.
2. تحذيرات الأمم المتحدة
حذر القائم بأعمال مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، إندريكا راتواتي، من أن اليمن يواجه إحدى أسوأ أزمات الأمن الغذائي في العالم، مؤكداً أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من الجوع، وأن ملايين الأسر باتت تضطر للمفاضلة بين شراء الغذاء، أو الدواء، أو حرمان أطفالهم من التعليم ليدفعوا بهم إلى رصيف العمالة المبكرة.
خلاصة القول: تجويع الشعب لتمويل المغامرات
يجمع مراقبون للشأن اليمني على أن استمرار مليشيا الحوثي في سياسة تصفير الخدمات، وقطع الرواتب، وتجفيف منابع القطاع الخاص عبر الجبايات والجرعات السعرية المتلاحقة، يندرج ضمن إستراتيجية إخضاع المجتمع وإفقاره. وفيما ينشغل قادة المليشيا في جني المليارات وإشعال معارك عسكرية عبثية خدمة للأجندة الإيرانية، يدفع المواطن اليمني من قوته وحياة أطفاله الثمن الأكبر لهذه السياسات الإقصائية المدمرة.