إلى اللحظة، ما زلت غير مصدق لما نُشر في منصات التواصل الاجتماعي؛ فهل بلغ بنا الضعف حدّ التعاطي مع مطالب الجماعة الحوثية، دونما نقاش أو اعتبار لمشاعر الضحايا وأُوار جراح ذويهم؟ فما هو معلوم ومؤكد أن قتلة اللواء ثابت مثنى جواس والداعية مبارك عوض ذيبان المرزقي، رحمهما الله، ليسوا أسرى أو معتقلين أبدًا، وإنما هم متهمون قُبض عليهم ، واستُوفيت كافة إجراءات الضبط والتحقيق لدى الجهات الأمنية والنيابة العامة، ومن ثم أُحيل ملفهم إلى القضاء، وعلى هذا الأساس جرت محاكمة أفراد الخليتين حضورًا وغيابيًا.
الجريمتان وقعتا في حيّين سكنيين آمنين في عدن وعتق، عبر زرع عبوات ناسفة في سيارتيهما، وهذا مبرر موضوعي وقانوني وأخلاقي لإقامة التهمة ومن ثم المحاكمة؛ فكيف انقلبت الموازين، وأضحى المتهمون أسرى حرب يُساوَم بهم على أسرى جبهات القتال؟ إنها لمفارقة موجعة وانتكاسة للعدالة.
المسألة خطيرة للغاية، وقد تؤدي إلى ردة فعل لا تُحمد عقباها، خاصة في ظل حالة احتقان وغضب وسخط شعبي عارم إزاء محاولة توصيف هؤلاء كأسرى حرب، بينما هم أفراد خلايا إرهابية نفذوا عمليات اغتيالات في عدن ولحج وأبين وشبوة وحضرموت، ولا تنطبق عليهم صفة أسير حرب البتة. نعم، فهذه جرائم جنائية في المقام الأول والأخير، وينبغي فيها القصاص العادل الرادع الذي يبلسم كُلم القلوب، فلا يُفرّط به ولا يُتنازل عنه، ولا يملك أحد حق التصرف فيه كائنًا من كان.
لقد اختطفت المليشيات الحوثية مئات الأشخاص من الطرقات والبيوت والقرى الآمنة، ولمجرد شبهة لا أساس لها، أو لأن أحدهم تحدث أو انتقد . ومع هذه الجرائم المنتهكة للحياة، قايضتهم السلطة الشرعية بأسرى أُسروا في جبهات القتال، وهذا العبث تكرر خلال الأعوام العشرة الفارطة، دونما يجد مَن يوقفه أو يتصدى له باعتباره عبثًا بالمبادئ وتجريفًا للثوابت المتعارف عليها وطنيًا ودوليًا.
المليشيات اليوم تجاوزت مطالبها المعتادة، وإذا ما رُضخ لهذه المطالب فإنها قد تتسبب للسلطة الشرعية بالكثير من المشكلات التي تهدد السلم الاجتماعي في المحافظات المحررة وتنخر في جدار ثقة لا يحتمل الهزات أو التصدعات ، فكل المؤشرات تنذر بخطر محدق، في حال شمول المدانين بقضايا الإرهاب ضمن صفقات تبادل الأسرى .
وتجلت نذر الممانعة في سخط وغضب واحتجاجات اجتماعية شهدتها مناطق في ردفان وشبوة وحضرموت، رافضة في مجملها أي صفقة لتبادل الأسرى بين الحكومة والحوثيين يكون فيها أشخاص مدانون في قضايا قتل وإرهاب . ولسان القوم لاهجٌ ومؤكد تمسكه بتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة بحقهم، ورفضه التام لأي إجراءات تؤدي إلى الإفراج عنهم، ليعودوا إلى أحضان جرائمهم.
ودعا المحتجون مجلس القيادة الرئاسي والنائب العام إلى استبعاد المحكوم عليهم في القضايا الجنائية، ولا سيما جرائم الإرهاب والقتل، من قوائم تبادل الأسرى، معتبرين أن تلك القضايا لا تندرج ضمن ملفات الأسرى المرتبطة بالنزاع المسلح، بقدر ما هي دماء مسفوكة لا تسقط بالتقادم ولا تُباع بصفقة سياسية.
وأعلن حلف أبناء وقبائل شبوة رفضه القاطع إدراج أي مدانين بجرائم قتل أو إرهاب ضمن صفقات تبادل الأسرى، مؤكدًا أن الإفراج عنهم من شأنه أن يتعارض مع الأحكام القضائية النهائية، ويهدد حقوق أسر الضحايا، ويُشعل نار الفتنة في أوساط المجتمع .
وجدّد الحلف تضامنه الصادق مع أسر الضحايا، داعيًا السلطات المختصة إلى الالتزام الصارم بتنفيذ أحكام القضاء، ومؤكدًا أن أي جهود لتحقيق السلام ينبغي ألا تمس مبدأ العدالة أو حقوق أولياء الدم، فسلام بلا عدالة ما هو إلا هدنة هشة على فوهة بركان .
خلاصة القول .. أوقفوا مقايضة القتلة المدانين قضائيًا، فهؤلاء في رقابهم دماء وأرواح سقطت بعيدًا عن جبهات القتال، كما لا يجوز التفريط بالعدالة وحق الضحايا. الإفراج عن القتلة ستكون عواقبه وخيمة، اللهم إنني قد بلغت، اللهم فاشهد..
محمد علي محسن