في تعز، لا يعود السؤال لدى كثير من العائلات: أين نذهب؟ بل «كم مرة سنضطر للهروب من جديد؟».
فبعد أكثر من عقد من الحرب، عادت موجة نزوح جديدة منذ سبتمبر الماضي، تدفع آلاف الأسر اليمنية إلى ترك بيوتهم للمرة الثانية أو الثالثة، وسط انهيار في سبل الحماية والإيواء والرزق، وتحول النزوح من حدث استثنائي إلى نمط حياة مفروض بالقوة.
نزوح يتكرر وأرقام تتصاعد
تشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن أكثر من 250 ألف شخص نزحوا داخلياً في اليمن بين 1 أغسطس و17 أكتوبر 2026، مع تصاعد حاد في أعداد النازحين منذ مطلع سبتمبر.
وقبل هذا التصعيد، كان اليمن يضم نحو 5.2 ملايين نازح داخلياً، أي أن الموجة الجديدة تضاف إلى أزمة نزوح قائمة منذ سنوات، وليست بداية لها.
وفي الأسبوع المنتهي في 3 أكتوبر وحده، سجلت المنظمة الدولية للهجرة نزوح نحو 21,800 شخص مرة واحدة على الأقل، بزيادة قدرها 26 في المئة عن الأسبوع السابق، فيما نزح 6,474 شخصاً إضافيين في يوم 4 أكتوبر.
تعز... مركز الأزمة والملاذ المزدوج
تستحوذ محافظة تعز على الحصة الأكبر من أزمة النزوح الحالية؛ إذ وثقت المفوضية أن المحافظة شكّلت نحو 76 في المئة من حالات النزوح المسجلة، واستضافت نحو 52 في المئة من النازحين الجدد حتى 17 أكتوبر.
وتقول الأمم المتحدة، إن نصف النازحين الجدد تقريباً وجدوا ملاذهم في مدينة تعز أو غيرها من مناطق المحافظة، بينما تستقبل لحج نحو 23 في المئة من النازحين الجدد، وتستقبل عدن نحو 13 في المئة.
هنا تكمن مأساة النازح للمرة الثانية؛ عائلة هربت سابقاً من الريف أو الحديدة أو أطراف تعز إلى مناطق بدت آمنة نسبياً، لتجد نفسها مجدداً تحت نيران القتال أو في مناطق محاصرة، فتضطر إلى الانتقال مرة أخرى بحثاً عن مأوى لا يضمن البقاء.
حصار يغلق طرق الأمان
لم يكن النزوح الجديد نتيجة قصف متقطع فحسب، بل ارتبط بتوسع المواجهات وسيطرة الحوثيين على مناطق في الساحل الغربي، وتواصل المعارك.
وفي تعز، حاصر الحوثيون المدينة منذ مطلع أكتوبر، وإن كان الحصار مفروضاً عليها نسبياً منذ عدة سنوات، حيث أغلقت المليشيا الحوثية مع بداية الحرب الأخيرة الطريق الرابط بينها والعاصمة المؤقتة عدن والمدن الأخرى كمحافظتي إب والحديدة، هذا الإغلاق لا يعني فقط عزلة عسكرية، بل يحرم الأهالي من ممرات الهروب والإمداد الطبي والغذائي، ويجعل قرار النزوح نفسه مخاطرة قد تنتهي بالموت على الطريق قبل الوصول إلى مكان آمن.
نساء وأطفال في مقدمة الضحايا
تؤكد المفوضية أن الغالبية العظمى من النازحين الجدد من النساء والأطفال، وأن كثيرين منهم اضطروا للهرب أكثر من مرة.
وتقول المنظمة الدولية للهجرة، إن أكثر من 184 ألف شخص نزحوا منذ بداية أغسطس، معظمهم منذ مطلع سبتمبر، في مؤشر على أن الأسر التي فقدت سبل كسب عيشها تتحول إلى نازحين دائمين بلا أفق واضح للعودة.
وفي هذا السياق، تتحمل النساء عبئاً مضاعفاً؛ رعاية الأطفال، وتأمين الطعام، والتنقل في مناطق غير آمنة، ومواجهة مخاطر الحماية في مواقع الإيواء المزدحمة.
مخيمات بلا تخطيط وحياة بلا خدمات
لم تعد كثير من العائلات تجد مخيمات منظمة أو إيواءً مؤقتاً كافياً. فبيانات عنقود إدارة مخيمات النازحين تشير إلى أن أكثر من 1.6 مليون نازح يستقرون في أكثر من 1,900 موقع غير مخطط أو يشبه المخيمات في مختلف المناطق.
وقد قيّمت المفوضية وشركاؤها حتى 17 أكتوبر نحو 12,283 أسرة نازحة في أبين وعدن ومأرب ولحج وتعز، بينها نحو 2,050 أسرة بلا مأوى.
ورغم وصول مساعدات الإيواء إلى 3,166 أسرة، ما زال نحو 33,700 أسرة بحاجة إلى مساعدات إيواء، وسط نقص حاد في تمويل الاستجابة الإنسانية.
انتهاكات تفرض النزوح لا تسببه فقط
لا يقتصر أثر الميليشيا الحوثية على إحداث النزوح عبر القتال، بل تمتد المساءلة إلى ممارسات تُجبر المدنيين على مغادرة بيوتهم ومناطق سكنهم.
وتوثق تقارير حقوقية محلية ودولية في تعز حالات قتل وقنص وألغام وتهجير قسري وتجنيد للأطفال، إضافة إلى تحويل منازل ومدارس ومرافق خدمية إلى مواقع عسكرية.
تقول إحدى هذه التقارير إن نحو 4,860 شخصاً نزحوا بسبب هذه الانتهاكات، بينهم 1,650 امرأة و3,210 أطفال.
وهذه الأرقام، تتقاطع مع التحذيرات الأممية من أن النزوح يحدث في ظل قتال متوسع وممارسات تهدد حماية المدنيين.
اقتصاد منهار يجعل العودة مستحيلة
حتى لو توقف القتال مؤقتاً، لا يجد النازح سبباً واقعياً للعودة إذا كان بيته متضرراً، ومصدر دخله مفقوداً، ومدرسة أطفاله مغلقة، ومستشفى منطقته خارج الخدمة.
تقول الأمم المتحدة، إن أكثر من 22 مليون يمني، أي أكثر من نصف السكان، يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، في بلد يعاني من انهيار اقتصادي طويل وحرب ممتدة.
وبذلك يتحول النزوح إلى دائرة مغلقة، فالحرب تدفع الناس للهروب، والانهيار الاقتصادي يمنعهم من العودة، ثم يعود القتال ليدفعهم للهروب مرة أخرى.
لذا، وبحسب خبراء وحقوقيين ومنظمات إنسانية، يتطلب الوضع الحالي إجراءات فورية لا مجرد بيانات إنسانية، من حيث فتح ممرات إنسانية آمنة للنازحين، وضمان وصول المساعدات الغذائية والطبية إلى تعز والمناطق المحاصرة، مع حماية المدنيين والمدارس والمستشفيات ومراكز الإيواء من الاستخدام العسكري أو الاستهداف، وقف التجنيد والتهجير القسري، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق المعايير الدولية.
بالإضافة إلي تمويل عاجل لبرامج الإيواء الطارئ والمياه والصحة والحماية، خصوصاً للأسر التي نزحت أكثر من مرة، مع ضرورة توثيق حالات النزوح المتكرر في سجل وطني مستقل يربط كل أسرة بتاريخ نزوحها واحتياجاتها، بدل التعامل معها كأرقام متجددة فقط.
ومع ذلك فالنازح اليمني للمرة الثانية لا يفقد بيتاً فقط، بل يفقد ثقته في فكرة الأمان نفسها، فحين تتحول العائلة من مكان إلى آخر بحثاً عن حياة تليق بالإنسان، ثم تجد الحرب تلاحقها إلى ملاذها الجديد، يصبح النزوح جريمة مستمرة لا مجرد نتيجة جانبية للحرب.
والأرقام الأممية الحديثة لا تروي إحصاءً جافاً، بل تحكي قصة مئات الآلاف ممن فقدوا المأوى مرتين: مرة عندما هربوا من الحرب، ومرة أخرى عندما فشلت الحرب في تركهم بسلام.