خاص ( البعد الرابع) غرفة الأخبار
كتب : فضل مبارك✒️
رثاء الأخ والصديق عبدالمجيد الصلاحي
(( سقط حيدٌ من روس الحيود الطويلة
فراقه على الأحباب ماهي سهيلة
وفقده رمى أهله في تعب وأحزان
يا الموت، ردّه لي وخذ لك بديلة
تفضّل عليّ، لأنك من أهل الفضيلة
سألتك بمن ساق المطر والمخيلة
تردّه لي، كما رجع يوسف لأبوه الآن ))
هل أرثيك ، أم أبكيك ، يا أخي وصديقي الأحب ، عبدالمجيد؟
بدم القلب ، قبل دمع العين ، أكتب إليك وعنك؛ علّ الكلمات تسعفني في التعبير عن بعض ما يعتمل في صدري من وجع، وما يعتصر قلبي من ألمٍ لفراقك.
منذ أن تلقيت خبر رحيلك عن دنيانا الفانية، وأنا أشعر أن شيئًا في كياني قد اهتزّ، حين بادرني محدثي بالقول :
صديقك عبدالمجيد…
ثم توقف لحظة ، كأنه ينتظر ردّة فعلي.
قلت له، بلهفةٍ لم تكن تتوقع شيئًا كهذا :
ـ إيش فيه؟ ماله؟
قال لي: اهدأ،، ثم أردف : واستعن بالله.
لاااا… لا تقولوا لي إنه مات!
دارت بي الدنيا، وضاقت عليّ الأرض بما رحبت.
لم تكن قد بقيت سوى أربع ساعات على موعد جلستنا في منزلي ، تلك الجلسة التي تأجلت من يوم الخميس إلى اليوم التالي، بسبب طارئٍ مع صديقنا علي ناصر الزيدي.
أربع ساعات فقط كانت تفصلني عن لقائك، فإذا بالموت يسبق الموعد، ويغلق الباب الذي كان يفترض أن يجمعنا، ويترك في النفس غصّةً لا تبرأ، وفي القلب فراغًا لا يملؤه أحد.
أيُّ خبر هذا؟ وأيُّ فاجعةٍ تلك التي تلقي بك في عوالم الحزن والكآبة والوجع والقهر، وتجعلك عاجزًا عن استيعاب ما حدث، كأنك تسمع الخبر عن شخص آخر، أو كأن عقلك يرفض أن يصدّق ما بلغ أذنيك؟
نحن ، ولله الحمد ، مؤمنون بقضاء الله وقدره ، وندرك أن الموت حق ، مثلما أن الحياة حق ، وأن لكل أجلٍ كتابًا. لكنّها القلوب التي أودع الله فيها الحب والعاطفة، وزرع فيها الإيمان، وأوصاها بالصبر، ثم منحها الحنان والمودة ، فإذا باغتها الفقد ، ضعفت وانكسرت، ولم تجد من عزاءٍ سوى التسليم لقضاء الله، ومن ملاذٍ سوى الصبر والدعاء.
لم يكن أبو محمد مجرد أخٍ أو صديقٍ تأتلف الروح معه، وتطيب المجالس بحضوره، وتزداد ثراءً بما يفيض به من معلوماتٍ وخبراتٍ وتجارب قلّما تجد مثلها عند غيره.
كان مرجعًا يلجأ إليه كثير من القيادات التي تعاقبت على أبين، ومن خارجها، طلبًا للمعلومة، أو التماسًا للمشورة، أو بحثًا عن رأيٍ سديد في قضيةٍ أو موضوع.
كان رجلًا تختصره كلمات كثيرة، ولا تفيه كلمة واحدة ، كنزًا من المعلومات، وذاكرةً تختزن تفاصيل المكان والناس والأحداث، وعقلًا يمتلك القدرة على الإدارة والنقاش والتحليل وقراءة الواقع، واستحضار ما غاب عن كثيرين من شواهده وخفاياه.
كان عبدالمجيد الصلاحي أيقونةً من أيقونات أبين، وأرشيفها المتحرك، وذاكرتها التي تمشي على قدمين.
كان قياديًا إداريًا وناشطًا اجتماعيًا، أعطى من وقته وصحته وعمره الكثير الكثير لأبين وأهلها ومجتمعه، دون منٍّ أو أذى، ودون كللٍ أو ملل. مضى في خدمة الناس بما يملك من معرفةٍ وخبرة، وبما عُرف عنه من حضورٍ ومروءةٍ وحسن تعامل.
ورحل عن الدنيا، تاركًا وراءه رصيدًا من المحبة والتقدير والاحترام في نفوس من عرفوه وعاشروه وعرفوا معدنه الأصيل.
اخي الحي دوماً :
عرفتك في منتصف عام 1982، حين جمعتنا مقاعد طلب العلم في قاعات كلية التربية بزنجبار. يومها بدأت حكاية معرفةٍ لم أكن أعلم أنها ستمتد كل هذه العقود، وتغدو واحدةً من العلاقات التي تحتفظ بها الروح في مكانٍ لا تطاله تقلبات الأيام.
غادرت الكلية في نهاية الفصل الدراسي، ومضيت إلى مجالٍ آخر، لكن علاقتنا لم تغادر مكانها في القلب، ولم تنقطع خيوطها رغم تعاقب السنين، ولا حتى في أحلك الظروف وأقساها.
ظللتَ كما عرفتك : ودودًا، بشوشًا، قريبًا من الناس، واسع الصدر، كريم الحضور. لم أسمع يومًا أن أحدًا اشتكى منك، أو أنك خاصمت أحدًا ، فقد كنت ممن يتركون في النفوس أثرًا طيبًا ، وفي المجالس ألفةً ، وفي الذاكرة صورةً لا تشوّهها الأيام.
يا عبدالمجيد…
أيُّ نفسٍ هذه التي تستطيع أن تكتب عنك، وهي ما تزال تحت وقع الصدمة؟ وإن استطاعت الكتابة، فإلى أي مدى يمكنها أن تذهب؟ وأيُّ كلماتٍ يمكنها أن تفيك حقك، أو تلامس شيئًا من مكانتك في نفسي، وفي نفوس من عرفوك؟
حتى لو بلغ جهدها عنان السماء، فسيظل ما تكتبه دون ما تستحق؛ لأن بعض الرجال أكبر من أن تحيط بهم الكلمات، وأعمق أثرًا من أن تختصرهم المراثي.
وأيُّ ليلٍ ستصحو عليه مدينة جعار بعد اليوم، وقد غاب عنها عبدالمجيد الصلاحي؟
أيُّ فراغٍ ستتركه في مجالسها، وبين أهلها وأصدقائها، وفي ذاكرة أبين التي كنت أحد خزّانها وحراس تفاصيلها؟
وأيُّ صبرٍ يعوّضنا عنك، وأيُّ عزاءٍ يردّ إلينا شيئًا من أُنسك، وأيُّ لقاءٍ سيشبه لقاءاتنا بعد أن غيّبك الموت، وأبقى لنا ذكرياتٍ نعود إليها كلما اشتقنا، فنزداد بها قربًا منك ووجعًا على فراقك؟
آهٍ يا أبا محمد…
كم من حديثٍ لم نكمله، وكم من جلسةٍ لن تتكرر، وكم من سؤالٍ كنتُ سأحمله إليك، وكم من موعدٍ كان ينتظرنا، فإذا به يتحوّل إلى ذكرى.
كنتَ على موعدٍ معنا، فسبقك الموت إلى موعدٍ آخر، لا نملك أمامه إلا التسليم لله، والدعاء بأن يتغمدك بواسع رحمته، ويسكنك فسيح جناته، ويجزيك عن أهلك وأصدقائك ومجتمعك خير الجزاء.
رحمك الله يا عبدالمجيد الصلاحي، يا أخي وصديقي ورفيق دربٍ امتد لأكثر من أربعة عقود.
نم قرير العين، فقد تركت في القلوب محبةً لا يبددها الغياب، وفي الذاكرة أثرًا لا تمحوه السنون، وفي أبين سيرةً تستحق أن تُروى، واسمًا سيظل حاضرًا كلما ذُكرت المواقف الطيبة، واستُحضرت الوجوه التي منحت الحياة معناها الأجمل.
أما أنا، فسأظل أتذكرك كلما اقترب موعد جلسةٍ في منزلي، وسأفتقدك كلما التفتُّ إلى المكان الذي اعتدت أن تكون فيه.
وسيظل خبر رحيلك، مهما مرّ عليه الزمن، هو ذلك الخبر الذي تمنيتُ لو أنني لم أسمعه أبدًا.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
المحزون / فضل مبارك.