اليمن في الصحافة الخارجية

أكبر سرّ لدى بوتين

روسيا اليوم- اخبار 08/10/2026 10:38 570 مشاهدة
أكبر سرّ لدى بوتين
32 خبر

تاريخ النشر: 08.10.2026 | 07:37 GMT

بالنسبة إلى الغرب، تُعدّ علاقة الرئيس الروسي بالمجتمع الروسي شذوذاً وظاهرة مستعصية على الفهم. أما السر الرئيسي فهو أن تكون من لحم شعبك ودمه، وأن تعمل من أجل خيره.

وافق أمس 7 أكتوبر عيد ميلاد فلاديمير بوتين، وهي مناسبة بارزة لكتابة مقال مكرّس له. لكن ما إن تحاول اتّباع المعيار المألوف لمثل هذه النصوص، من حصيلة واستعراض للنجاحات والإنجازات، حتى تكتشف فوراً أن شخصية الرئيس الروسي ونشاطه لا يتسعان لسرير بروكرست القوالب الصحفية.

فمن جهة، أنجز الرجل من الأعمال ما يستحيل معه فعلياً، مهما بلغت الرغبة، حصر نتائجه في إطار مقال موجز. ومن جهة أخرى، وهذا أهم، فإن العملية لم تنتهِ بعد. أيّ حصيلة هذه ونحن جميعاً في قلب عاصفة جيوسياسية يقود بوتين البلاد عبرها؟

وللمناسبة، من الطريف أن نسأل: هل عرف تاريخ البشرية قادةً وطنيين كُتب عليهم قطع طريق مماثل لطريق بوتين؟ فالنهوض الشامل بدولة عظمى بعد كارثة وطنية، تحت قيادة حاكم استثنائي، قصة نادرة لكنها تتكرر من حين إلى آخر. وربما أمكن أيضاً العثور على أمثلة لإخراج بلد إلى طريق التنمية المستقرة والازدهار ورفاه الشعب، مع القائد نفسه. أما تجاوز البلد المتجدد الذي نهض من جديد أزمةً حادة أخرى، لا داخلية هذه المرة بل في السياسة الخارجية، تحت قيادة الشخص نفسه…

باختصار، يمكن أن نجد اجتماع اثنتين من هذه النقاط الثلاث (ستالين مثلاً: النقطتان الأولى والثالثة مع إخفاق ثقيل في الثانية)، أما اجتماع الثلاث معاً فيبدو فريداً. لكن هذا ما كُتب لبوتين، ولنا جميعاً.

أما بالنسبة إلى الغرب، فإن علاقة الرئيس الروسي بالمجتمع الروسي شذوذٌ وظاهرة مستعصية على الفهم تماماً. فهم، وقد حُشروا في قوالب مملّة ممجوجة، يواصلون ترديد الكلام عن الطبيعة السلطوية للعلاقة بين السلطة الروسية والمجتمع، وعن الصدمات التاريخية، وعن الظل المشؤوم للأجهزة الخاصة. لكن ذلك لا يقرّبهم قيد أنملة من فهم هذه الظاهرة التي تُحبط شركاءنا السابقين.

فتصنيفات القادة الأوروبيين تحطّم الأرقام القياسية السلبية تباعاً. نحو 19% لميرتس، وأقل من ذلك لماكرون: 16-18%. وفي بريطانيا منذ سنوات يجري تبديل رؤساء الوزراء بوتيرة محمومة، بحيث لا تكاد تحفظ اسم ساكن «داونينغ ستريت» الجديد حتى يغادر المقر. الغرب تجتاحه أزمة بنيوية، وسكانه يعيشون حياة أسوأ ويشعرون بأمان أقل، اجتماعياً وجسدياً على السواء (بسبب تزايد الجريمة). والسلطات تتخذ قرارات غير شعبية، بعضها ضروري فعلاً، وبعضها ناجم عن المسار الاستراتيجي المختار نحو الحرب مع روسيا، مما يؤدي بطبيعة الحال إلى تردّي موقف المجتمع منها.

المنطق بسيط: حين تواجه المجتمع صعوبات، يلوم سلطات البلاد. ليست هذه نظرية ثنائي الحدّ لنيوتن.

لكن هذا المنطق، ويا للأسف الشديد على الغرب، لا يعمل في روسيا لسبب ما. فتأييد بوتين يظل مستقراً فوق 70%. والعام الجاري بالذات كان في هذا الشأن دالاً على نحو خاص. فقد بذل الطرف الآخر جهوداً جبارة بحق لتقويض العلاقة بين المجتمع الروسي والدولة، وبين الشعب وبوتين. وانضمت إلى الحملة الإعلامية العدوانية والعقوبات «الجحيمية» هجماتٌ مكثفة بالطائرات المسيّرة، تسببت في مقتل أشخاص، وفي مشكلات في الوقود وانقطاعات في عمل منصات التسوق الإلكترونية.

أما الحصيلة فكانت لا شيء على الإطلاق.

حسناً، لنكشف سر الدعم العالي الذي يحظى به بوتين لدى المجتمع الروسي، برغم المشكلات والأوقات العصيبة والقرارات غير الشعبية التي تُتخذ أحياناً (فما من سلطة تخلو منها).

السر الرئيسي هو أن تكون من لحم شعبك ودمه، وأن تعمل من أجل خيره. ذلك الشعب نفسه الذي فقد في تسعينيات القرن الماضي كل شيء، بما في ذلك الأمل واحترام الذات، لكنه واصل فعل ما ينبغي: علاج الناس وتعليم الأطفال ومكافحة الإرهابيين وإطلاق الصواريخ إلى الفضاء وتهيئة المرافق البلدية لموسم الشتاء. وشيئاً فشيئاً، لا بقفزة هائلة بل بخطوات صغيرة كل يوم، ابتعد البلد عن حافة الهاوية.

ثم جاءت أزمنة جديدة، دون أن يُلاحَظ ذلك تقريباً، وبدأ شعبنا يعيش حياة جيدة ومنظمة ومرفّهة كما لم يعش في تاريخه قط. ولأول مرة تحقق الشعار المعتاد لأي سلطة، شعار ازدهار المواطنين العاديين، على أوسع نطاق في الواقع العملي. وجرى تجاوز ما بدا "عيوباً خِلقية" لا شفاء منها في الحياة الروسية، كالطرق السيئة والعوز المعيشي. وفي الوقت نفسه تبددت لدى الناس أوهام وأحكام مسبقة وأضاليل عمرها قرون، مثل وهم التفوق الحضاري المطلق لأوروبا المتقدمة على روسيا «ذات الأحذية الليفية» (كناية عن التخلف).

ومع الرخاء، عاد إلى البلاد الأمل واحترام الذات والثقة بالقوة، والعزم الراسخ على تقرير مصيرها بنفسها. لقد كانت كارثة التسعينيات مروّعة بالتحديد لانسداد أفقها، وفقدان شعبنا ما يقف عليه، وضياع المعالم. أما الآن فروسيا تقف بثبات على قدميها، وتعرف تماماً من هي وإلى ماذا تسعى، ولن تسمح لأحد غيرها بتحديد مصيرها.

وقد قطع شعبنا هذا الطريق العظيم كله بقيادة بوتين، ومعه.

والآن، وبلدنا يواجه تحدياً وجودياً، وأوروبا لا تُخفي نيتها أن تحاول مرة أخرى حلّ مشكلاتها على حساب الحرب مع روسيا والانتصار عليها، هل تعوّلون هناك، في الغرب، بجدّية على دقّ إسفين بين شعبنا ورئيسنا؟ وكما يقول الميم الكلاسيكي بالفعل: لا تُضحكوا صواريخنا «إسكندر».

كل عام وأنت بخير، يا فلاديمير فلاديميروفيتش!

بقلم إيرينا ألكسنيس

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب