لم تفضِ قمة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ إلى تسوية نهائية للحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، بقدر ما أرست هدنة مؤقتة تمنح الطرفين مساحة لاحتواء ضغوط اقتصادية داخلية ومواصلة التفاوض بشأن الملفات الأكثر تعقيدا.
واستمرت القمة ثلاثة أيام في واشنطن، قبل أن يعود الرئيس الصيني إلى بكين، وفقا لوكالة شينخوا الصينية الرسمية اليوم السبت.
وتضمنت التفاهمات تعهدات صينية بزيادة شراء الفحم الأمريكي، والعمل على تطبيق رسوم تفضيلية على سلع غير حساسة بقيمة 30 مليار دولار، تشمل منتجات زراعية ومأكولات بحرية وأخشابا ومستحضرات تجميل وأجهزة طبية، إلى جانب سلع استهلاكية صينية.
كما اتفق الطرفان على تشكيل مجلس للتجارة، وإنشاء مجموعة عمل بشأن الوصول إلى الأسواق الزراعية ومجلس للاستثمار، فيما طلب ترمب من شي زيادة إنتاج المنتجات النفطية المكررة للمساعدة في استقرار الإمدادات العالمية وتخفيف ضغوط أسعار الوقود.
في المقابل، حصلت بكين على ما تحتاج إليه في المرحلة الحالية، وهو تجنب تصعيد جمركي جديد والحفاظ على قدر من الاستقرار في علاقتها بالسوق الأمريكية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الصيني أزمة عقارية وضعفا في الطلب المحلي.
وتشير المعطيات الاقتصادية إلى أن الرسوم الأمريكية لم تنهِ اعتماد الصين على الأسواق الخارجية، إذ تتجه صادراتها إلى تحقيق فائض تجاري يقترب من المستوى القياسي المسجل العام الماضي عند نحو 1.2 تريليون دولار، بينما أعادت شركات صينية توجيه جزء من تجارتها عبر دول في جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية.
وبحسب تقديرات باركليز التي أوردتها بلومبيرغ، يبلغ متوسط التعرفة الأمريكية الفعلية على السلع الصينية نحو 23%، مقابل نحو 7% لبقية الشركاء التجاريين الرئيسيين للولايات المتحدة، في حين ارتفعت حركة المناولة في الموانئ الصينية 9% في الأسبوع المنتهي في 20 سبتمبر مقارنة بالعام السابق، مسجلة أعلى مستوى على الإطلاق وفقا لبيانات وزارة النقل الصينية.
وتواجه بكين في الوقت نفسه تداعيات أزمة العقارات التي أضعفت ثروة الأسر والإنفاق المحلي، ما دفع الاقتصاد الصيني إلى الاعتماد بدرجة أكبر على الصادرات لتعويض ضعف الاستهلاك الداخلي.
أما الولايات المتحدة فتواجه ضغوطا مرتبطة بتكاليف الطاقة والتضخم وكلفة المعيشة، وهو ما يجعل خفض أسعار بعض السلع المستوردة وتأمين إمدادات الطاقة من بين المصالح الاقتصادية التي دفعت واشنطن إلى البحث عن تهدئة مؤقتة.
وفي ملف المعادن النادرة والتكنولوجيا، بقيت أدوات الضغط الاستراتيجية لدى الطرفين قائمة. فالصين ما تزال تمتلك نفوذا كبيرا في المعادن والمغناطيسات المستخدمة في قطاعات السيارات والإلكترونيات والصناعات الدفاعية، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بقيودها على وصول الصين إلى أكثر رقائق الذكاء الاصطناعي تطورا.
وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن التهدئة التجارية ستمدد حتى 10 يناير/كانون الثاني المقبل، أي لنحو شهرين، مع تحديد اجتماع جديد بين الرئيسين في نوفمبر/تشرين الثاني.
وبذلك أبقت القمة الملفات الأساسية، من الرسوم التجارية وسلاسل التوريد إلى المعادن النادرة والرقائق المتقدمة، مفتوحة أمام جولات تفاوض جديدة، بينما منح الاتفاق المؤقت كلا البلدين فترة لخفض الضغوط الاقتصادية دون التخلي عن أوراق القوة الرئيسية في الصراع التجاري.