بينما تحاول آلة الدعاية الإيديولوجية لمليشيا الحوثي أن تفوق الحدود لإظهار طابع وهمي من الانتصارات والقدسية الزائفة، تكشف الجبهات المشتعلة في مأرب، تعز، الضالع، والساحل الغربي مؤخراً عن واقع دموي مرعب.
خلف الستار الكثيف لشعارات المسيرة القرآنية، تُساق حشود هائلة من أبناء اليمن إلى مسالخ الموت لتنفيذ أجندة إقليمية لا تخدم سوى طموحات المليشيا وعقيدتها المستوردة.
هذا التقرير يفتح الدفاتر المغلقة لكلفة المغامرات العسكرية الحوثية على مستوى النزيف البشري العسكري مؤخراً، الذي يعري انهيار بنيتها الميدانية أمام ضربات الجيش اليمني.
مواكب تشييع يومية
رغم التكتم الأمني الصارم والحصار المفروض على البيانات العسكرية، تحولت وسائل الإعلام التابعة للمليشيا، وفي مقدمتها قناة "المسيرة"، إلى دفتر عزاء مفتوح. وتكشف مراجعة دقيقة وموثقة لمواكب التشييع الرسمية المقامة في 12 محافظة تخضع كلياً أو جزئياً لسيطرة المليشيا عن حجم الخسائر الفادحة وغير المسبوقة في القوى البشرية.
تضاعفت أعداد القتلى الحوثيين بوتيرة حادة جراء التصعيد الأخير، حيث وثقت المنصات الحقوقية والبحثية مقتل المئات من عناصر المليشيا في فترات وجيزة جداً. اللافت في هذه الإحصاءات الرسمية لدفن الجثث، هو السقوط الجماعي لـ133 قيادياً ميدانياً خلال العمليات الأخيرة فقط؛ وتوزعت هذه الرتب العسكرية، الرفيعة الممنوحة من المليشيا بين ضابط برتبة لواء، و9 برتبة عميد، و38 برتبة عقيد، و72 برتبة رائد. هذا النزيف الحاد في هرم القيادة يعكس مدى الانكشاف الميداني لقادة المجموعات الحوثية أمام تكتيكات الجيش الوطني الدفاعية والهجومية.
خارطة النزيف
توضح المؤشرات الجغرافية لتوزيع القتلى كيف تعتمد المليشيا الحوثية على مناطق معينة كخزانات وقود بشري، لإشعال جبهاتها المتهاوية. وتصدرت العاصمة المختطفة صنعاء، قائمة المحافظات الأكثر تسجيلاً لوفيات القيادات بأكثر من 50 قتيلاً وقيادياً عقائدياً.
وحلت، محافظة حجة الملقبة بالحديقة الخلفية للمعقل الحوثي، في المرتبة الثانية بـ 22 قتيلاً.
تتوزع بقية الجثث التي استقبلتها المقابر الجماعية والمستشفيات التابعة للمليشيا على محافظات ذمار، صعدة، عمران، وإب. تؤكد هذه الأرقام المستمدة من وسائل الإعلام الحوثية ذاتها أن المليشيا لا تبالي بإفراغ القرى والمدن اليمنيّة من شبابها ورجالها، طالما أن ذلك يضمن استمرار مغامراتها العسكرية العبثية، لتثبيت نفوذها الطائفي.
تبخر النخبة العقائدية وابتلاع العشائر والقبائل
لم يعد الموت في الجبهات الحوثية يقتصر على المقاتلين العاديين أو المهمشين، بل امتد ليبتلع الرزمة العقائدية التي تم تدريبها لسنوات.
تشير البيانات إلى أن من بين قتلى التصعيد الأخير 76 قيادياً عقائدياً يمثلون العقل المدبر لعمليات التطييف وتسيير المعارك على خطوط التماس، إلى جانب مصرع 77 عنصراً آخرين من المرافقين والعناصر القبلية التي جندتها المليشيات قسراً أو عبر الابتزاز.
هذه الخسائر الكبيرة دفعت المليشيا الحوثية إلى زيادة الضغط على مشايخ ووجاهات، القبائل في مناطق سيطرتها لتعويض النقص الحاد، مما أدى إلى حالة تململ صامتة ومكتومة داخل البنية القبلية المنهكة التي بدأت تستشعر الكلفة الباهظة لعقيدة الحوثي المستوردة.
الفاتورة الإنسانية الموازية
بالتوازي مع سحق مقاتلي المليشيا في المتارس والأودية أمام أبطال الجيش الوطني، تنتهج الحوثية سياسة انتقامية وحشية ترفع الكلفة البشرية بين المدنيين.
فوفقاً لأحدث البيانات الحكومية الرسمية الصادرة عن وزارة حقوق الإنسان اليمنية، أدى التصعيد العسكري الحوثي الأخير منذ مطلع سبتمبر إلى مقتل 150 مدنياً وإصابة أكثر من 200 آخرين بجروح متفاوتة.
وشملت هذه الجرائم استهداف الأحياء السكنية المكتظة، وقصف مخيمات النازحين وقوافل الانتقال بالصواريخ الباليستية والمسيّرات في تعز، ومأرب، والحديدة، فضلاً عن زراعة الألغام الأرضية المحرمة دولياً التي لا تزال تحصد الأرواح بشكل يومي.
هذه الإحصاءات المدنية المأساوية تُعد امتداداً لإرث دموي ثقيل وثقته الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، مؤكدة تسجيل نحو 58,904 حالة قتل وإصابة بين المدنيين منذ بداية الانقلاب الحوثي.
النتيجة الحتمية.. انكسار على الصخرة الوطنية
تكشف الأرقام والحقائق الميدانية واللوجستية أن المليشيا الحوثية تعيش مأزقاً استنزافياً حقيقياً. فكل تحشيد عسكري جديد ينتهي بمواكب تشييع هائلة تعود إلى صنعاء والمحافظات الأخرى.
إن صمود الجيش الوطني في مختلف الثغور يثبت يومياً أن عقيدة المليشيا القائمة على التبعية للمشروع الإيراني وتجريف الهوية اليمنية لا تمتلك أدنى مقومات البقاء، وأن الفاتورة البشرية الهائلة التي تدفعها المليشيا من دماء المغرر بهم ما هي إلا بداية الانكسار الشامل للمشروع الانقلابي على صخرة الإرادة الوطنية الجمهورية.