آخر الأخبار
أخبار محلية

كهبوب تحصّن معادلة الحوثيين في باب المندب

نافذة اليمن 15/09/2026 19:02 287 مشاهدة
كهبوب تحصّن معادلة الحوثيين في باب المندب

لا يبدو أن الحوثيين يتعاملون مع سيطرتهم على المرتفعات المطلة على باب المندب باعتبارها مكسبًا ميدانيًا مؤقتًا يمكن أن يتغير مع تبدل خطوط القتال، بل يسعون إلى تحويلها إلى مواقع دفاعية أكثر رسوخًا. فقد أفاد مصدر عسكري يمني بأن الجماعة حفرت خنادق متعددة في جبال مطلة وقريبة من مضيق باب المندب، بالتزامن مع نشر ألغام في الممر البحري الدولي، في خطوة قال المصدر إنها تهدف إلى منع القوات الحكومية أو إعاقتها عن استعادة المناطق التي فقدتها مؤخرًا.

وتمنح هذه التطورات السيطرة الحوثية على جبال كهبوب بُعدًا جديدًا، إذ لم تعد أهمية المرتفعات مرتبطة فقط بموقعها المشرف على المضيق، وإنما أيضًا بقدرة الجماعة على تحصينها وتحويلها إلى جزء من منظومة دفاعية متقدمة. وكلما طال بقاؤها في هذه المواقع، زادت قدرتها على تثبيت خطوطها الدفاعية وربط المرتفعات بالسواحل والمواقع الأخرى القريبة من باب المندب.

وتأتي الخنادق في الجبال والتلغيم المبلغ عنه للممر البحري في سياق تصعيد عسكري واسع تشهده الجبهة الغربية لليمن منذ مطلع سبتمبر الجاري. وتمكنت جماعة الحوثي خلال هذا التصعيد من السيطرة على مديريات ومراكز مهمة في محافظتي الحديدة وتعز، بينها مدينة المخا الاستراتيجية، وصولًا إلى بسط نفوذها على مناطق تتيح لها الاقتراب أكثر من باب المندب.

وبذلك تنتقل المعركة من محاولة السيطرة على الأرض إلى محاولة تثبيت السيطرة عليها. وهذه النقلة هي التي تجعل كهبوب ذات أهمية خاصة في الحسابات المقبلة، لأن استعادة المرتفعات بعد تحصينها ستكون مختلفة عسكريًا عن استعادة موقع لم تتحول السيطرة عليه بعد إلى منظومة دفاعية متكاملة.

وتكمن أهمية كهبوب في طبيعتها الجبلية وموقعها المشرف على المناطق المؤدية إلى باب المندب. فالمرتفعات تمنح الطرف المسيطر عليها قدرة أفضل على الرصد والمراقبة، كما توفر عمقًا دفاعيًا للمواقع المتقدمة وتفرض على القوات المهاجمة التعامل مع تضاريس صعبة.

وتكتسب هذه الميزة أهمية إضافية بالنسبة إلى الحوثيين بسبب امتلاك الجماعة قدرات صاروخية وطائرات مسيرة ووسائل أخرى للضغط على الملاحة. وعندما تقترن هذه القدرات بمواقع برية مرتفعة قريبة من المضيق، يصبح الموقع الجغرافي جزءًا من منظومة أوسع يمكن أن تعزز قدرة الجماعة على مراقبة محيط باب المندب ورفع كلفة أي محاولة لانتزاع مواقعها.

والأهم أن الخنادق تغير طبيعة السيطرة نفسها. فالموقع الذي يمكن أن يكون معرضًا للسقوط خلال هجوم سريع يصبح أكثر قدرة على الصمود عندما يتحول إلى موقع محصن، خصوصًا في بيئة جبلية تسمح للمدافعين باستغلال التضاريس. ومن هنا يمكن فهم مسار الحوثيين باعتباره محاولة لاستباق أي هجوم مضاد محتمل، وليس مجرد إجراء ميداني عابر.

ويشير المصدر العسكري اليمني إلى أن التحصينات والألغام تهدف إلى عرقلة القوات الحكومية ومنعها من استعادة المناطق التي سيطر عليها الحوثيون مؤخرًا. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الجماعة تتحرك وفق منطق تثبيت المكاسب قبل الانتقال إلى مراحل جديدة من المواجهة.

وهذا ما يجعل عامل الوقت مهمًا. فكل يوم يمر من دون هجوم مضاد فعال يمنح الحوثيين فرصة لتعزيز المواقع وربطها ببقية انتشارهم في المنطقة، بما يصعّب لاحقًا الفصل بين كهبوب والمخا وبقية المواقع القريبة من الساحل والمضيق.

تكشف التطورات الأخيرة أن معركة باب المندب لا يمكن اختزالها في السيطرة على الممر المائي نفسه. فالمضيق مرتبط بمسرح جغرافي يضم السواحل والمرتفعات والجزر والطرق المؤدية إليه، ومن يفرض نفوذه على هذه العناصر يستطيع تحسين قدرته على مراقبة حركة السفن والضغط على الخصوم.

وتزداد أهمية ذلك مع وجود جزيرة ميون في قلب المضيق، ومع امتداد النفوذ الحوثي إلى مواقع جبلية قريبة منها. فالسيطرة على المرتفعات لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على إغلاق المضيق، لكنها تمنح الطرف المسيطر عليها موقعًا أكثر ملاءمة للمراقبة وإسناد العمليات العسكرية.

ومن هذه الزاوية، تبدو كهبوب حلقة في سلسلة جغرافية أوسع. فإذا استطاع الحوثيون المحافظة على مواقعهم الجبلية وربطها بالمناطق التي سيطروا عليها على الساحل، فإنهم يكونون قد بنوا عمقًا بريًا بالقرب من باب المندب، بدل الاعتماد على وجود بحري أو جزري منفرد.

وهذه النقطة بالذات تجعل استعادة باب المندب أكثر تعقيدًا. فالتعامل مع التهديد لا يمكن أن يبدأ من البحر وحده، لأن جزءًا من القدرة على الضغط على الملاحة يستند إلى مواقع برية توفر الرصد والحماية والقدرة على المناورة.

وإذا كان حفر الخنادق يعكس محاولة لتحصين المواقع البرية، فإن الحديث عن تلغيم الممر البحري يضيف بعدًا أكثر حساسية. فحتى من دون إغلاق باب المندب بصورة كاملة، يمكن لأي تهديد مباشر للممر أن يرفع مستوى المخاطر أمام السفن، ويؤدي إلى زيادة تكاليف التأمين والنقل، ويدفع شركات الشحن إلى اتخاذ تدابير أمنية إضافية أو تغيير مساراتها.

وتصبح هذه المخاطر أكثر حساسية بالنسبة إلى مصر، التي ترتبط حركة الملاحة في باب المندب مباشرة بسلامة الملاحة المتجهة إلى قناة السويس. كما تمثل سلامة المضيق مصلحة مباشرة للسعودية ودول الخليج، في ظل اعتماد التجارة والطاقة على منظومة بحرية مترابطة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.

ولهذا فإن تحول باب المندب إلى ساحة صراع ثابتة لا يمثل مشكلة يمنية داخلية فقط، وإنما يهدد بإنتاج تداعيات إقليمية ودولية أوسع. فالممر البحري لا يحتاج إلى أن يغلق بالكامل حتى تصبح كلفة الاضطراب مرتفعة.