أخبار محلية

هجرة نحو المجهول.. لماذا يفر اليمنيون من مناطق سيطرة الحوثيين؟

هجرة نحو المجهول.. لماذا يفر اليمنيون من مناطق سيطرة الحوثيين؟

تحت وطأة قبضة أمنية حديدية وجدار سميك من التعتيم الإعلامي، تبذل الآلة الدعائية لمليشيا الحوثي جهوداً حثيثة لرسم صورة مغايرة للواقع في مناطق سيطرتها، تحاول من خلالها تصوير العاصمة المختطفة صنعاء وبقية المحافظات الخاضعة لها كواحات للاستقرار والازدهار الاقتصادي. 

إلا أن التدقيق في تفاصيل المشهد اليومي يكشف عن فجوة هائلة بين الخطاب الإعلامي الموجه والواقع المرير؛ إذ تشهد تلك المناطق حركة نزوح صامتة ومستمرة، حيث يخاطر الآلاف من المواطنين، بمَن فيهم العائلات والشباب والكفاءات العلمية، بحياتهم ومدخراتهم للفرار نحو المحافظات المحررة أو الهجرة إلى خارج البلاد، هرباً من واقع مأساوي بات يهدد حقهم الأساسي في الحياة والكرامة.

 تجويع ممنهج وجبايات تطحن المواطن

يمثل الانهيار الاقتصادي الشامل أحد أبرز الدوافع التي تجعل البقاء في مناطق سيطرة المليشيا خياراً يقترب من الانتحار البطيء. 

فمنذ سنوات، انتهجت المليشيا سياسة قطع مرتبات موظفي الدولة في القطاعين المدني والعسكري، معتمدة على مبدأ تجفيف المنابع الاقتصادية للمواطنين لإخضاعهم. وفي المقابل، ضاعفت المليشيا من وتيرة الجبايات والإتاوات غير القانونية تحت مسميات طائفية وعسكرية متعددة، طالت التجار، وأصحاب المحلات الصغيرة، وحتى المزارعين.

هذه السياسة الجبائية أدت مباشرة إلى شلل الحركة التجارية، وإغلاق مئات الشركات والمؤسسات المحلية، مما رفع معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة.

 ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل عمدت المليشيا إلى افتعال أزمات متكررة في المشتقات النفطية والغاز المنزلي، واحتكار هذه المواد الحيوية لبيعها بأسعار فلكية في السوق السوداء التي تديرها قياداتها.

 هذا الغلاء الفاحش، متزامناً مع انعدام الدخل، جعل أكثر من 80% من السكان تحت خط الفقر المدقع، وحوّل الحصول على وجبة طعام أساسية إلى معركة يومية شاقة.

 قبضة أمنية وتكميم للأفواه

وراء الهدوء الظاهري الذي تتغنى به وسائل الإعلام الحوثية، تختبئ منظومة قمعية شديدة البطش. فالمواطن في مناطق سيطرة المليشيا يعيش تحت رحمة شبكات جاسوسية وأمنية واسعة تراقب الأنفاس والكلمات.

 وتعد تهمة "الخيانة" أو "التعاون مع الخارج" جاهزة لكل من يجرؤ على انتقاد الوضع المعيشي المتردي، أو يطالب بأبسط حقوقه كالمرتبات أو الخدمات الأساسية.

وقد طالت حملات الاختطاف التعسفي والاختفاء القسري الناشطين، والإعلاميين، والأكاديميين، والمواطنين العاديين. وامتدت يد القمع لتشمل النساء بشكل غير مسبوق في المجتمع اليمني، عبر توجيه تهم كيدية ومحاكمتهن في محاكم صورية تفتقر لأدنى معايير العدالة، بهدف مصادرة ممتلكات المعارضين وابتزاز عائلاتهم.

 هذا المناخ الخانق، وغياب أي أفق للحرية أو التعبير السلمي، دفع بأصحاب الرأي والكفاءات والمواطنين الرافضين للظلم إلى البحث عن أي منفذ للهروب، مفضلين مشقة النزوح على العيش في سجن كبير.

 

 تفخيخ عقول الأطفال وقوداً للحرب

لا تقتصر أسباب الفرار على الجوانب الاقتصادية والأمنية فحسب، بل تمتد إلى مخاوف حقيقية تمس مستقبل الأجيال الصاعدة. فقد شرعت المليشيا في عملية تجريف ممنهجة للنظام التعليمي، شملت تغيير المناهج الدراسية وتطعيمها بأفكار طائفية ومفاهيم تدعو إلى العنف والتشظي الاجتماعي.

 وحوّلت المدارس والجامعات من منابر للعلم إلى ساحات للتعبئة الفكرية والعسكرية.

وتتجلى الخطورة الأكبر في استهداف المدارس والجامعات وتحويلها إلى بؤر لتصدير العنف والتطرف الطائفي، وكذا في ما تُعرف بـالمراكز الصيفية والدورات الثقافية الإلزامية، التي تُستغل لغسل أدمغة الأطفال والمراهقين وتجنيدهم قسرياً لدعم جبهات القتال.

 تجد العائلات اليمنية نفسها اليوم أمام خيارين أحلاهما مر: إما البقاء ومراقبة أطفالهم وهم يُساقون إلى محرقة الحرب كوقود لمعارك المليشيا، أو المغامرة بكل ما يملكون لتأمين خروج أطفالهم ونقلهم إلى مناطق يمكنهم فيها الحصول على تعليم طبيعي وآمن. هذا الخوف المتصاعد على مصير الأبناء بات محركاً أساسياً لفرار أسر بأكملها.

 انهيار الخدمات وتحويل الصحة إلى استثمار

في الوقت الذي تدعي فيه المليشيا تحقيق إنجازات وتوفير الاستقرار، يشهد القطاع الصحي والخدمي تدهوراً كارثياً. فقد تم خصخصة المستشفيات الحكومية والمراكز الطبية وتحويلها إلى كيانات استثمارية تابعة لقيادات الحوثي، مما حرم المواطن الفقير من الرعاية الطبية الأساسية. وتزامن ذلك مع انتشار الأوبئة والأمراض نتيجة غياب شبكات المياه النظيفة وتراكم النفايات.

وعلاوة على ذلك، وثقت تقارير محلية ودولية قيام المليشيا بنهب المساعدات الإنسانية والطبية المقدمة من المنظمات الدولية، وتحويلها لصالح مقاتليها في الجبهات أو بيعها في الأسواق لجني أرباح مالية. 

هذا الحرمان المتعمد من الرعاية الصحية، وانهيار شبكات الكهرباء والمياه، جعل الحياة اليومية عبارة عن معاناة مستمرة وتحدٍ للبقاء على قيد الحياة، مما عزز قناعة اليمني بأن البقاء في ظل هذا الواقع يعني الموت جوعاً أو مرضاً.

 نزوح مستمر وبحث عن الكرامة المفقودة

إن التدليس الحوثي وحملات التجميل المستمرة لواقع الحال في مناطق السيطرة الحوثية، لم تعد تنطلي على الداخل اليمني. فالأرقام المتصاعدة للنازحين في المحافظات المحررة، والتدفق المستمر للشباب اليمني نحو منافذ الهجرة البرية والبحرية، ما هي إلا شهادات حية وملموسة على زيف تلك الادعاءات.

يفر اليمنيون اليوم ليس بحثاً عن الرفاهية، بل بحثاً عن فضاء يتنفسون فيه الحرية، وعن بيئة تضمن لهم لقمة العيش بكرامة بعيداً عن الإذلال والتركيع، وعن مستقبل آمن لأبنائهم يحميهم من أن يكونوا حطباً لحرب لا تنتهي. إنها هجرة جماعية من واقع مأزوم ومظلم، نحو بصيص أمل بوضع أفضل يحترم إنسانيتهم.