آخر الأخبار
أخبار محلية

قمة السيسي ومحمد بن سلمان.. اليمن بين أمن البحر الأحمر وحسابات المحاور الدولية

المنتصف نت- المنتصف نت 15/09/2026 18:30 255 مشاهدة
قمة السيسي ومحمد بن سلمان.. اليمن بين أمن البحر الأحمر وحسابات المحاور الدولية

تأتي زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة ولقاؤه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في توقيت بالغ الحساسية، تتقاطع فيه التطورات في اليمن والبحر الأحمر مع تصاعد الصراع الإقليمي والدولي، وتتعاظم فيه أهمية أمن الملاحة والطاقة وممرات التجارة الدولية.
ورغم أن العنوان المعلن للزيارة هو تعزيز العلاقات الثنائية وبحث تطورات المنطقة، فإن التطورات الأخيرة في اليمن تجعل من الصعب فصل اللقاء عن التحولات المتسارعة في الساحل الغربي وباب المندب، وما ترتب عليها من تهديدات مباشرة للأمن السعودي والمصري وللملاحة الدولية.
فالخطر لم يعد محصورًا في استمرار الحرب اليمنية، وإنما في احتمال تحول السيطرة الحوثية على أجزاء من الساحل الغربي ومواقع استراتيجية في باب المندب إلى واقع عسكري وسياسي طويل الأمد.
وهنا تبدأ المسألة في تجاوز حدود اليمن.
اليمن.. من صراع داخلي إلى ساحة لتقاطع المصالح
لم تعد الحرب اليمنية صراعًا داخليًا خالصًا، ولا يمكن فهم تطوراتها بعيدًا عن التنافس الإقليمي والدولي.
فالحوثيون يمثلون جزءًا من شبكة النفوذ الإيرانية في المنطقة، بينما تنظر السعودية إلى ما يحدث باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها وحدودها ومصالحها. أما مصر، فترتبط بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس.
وفي المستوى الدولي، تتقاطع الأزمة اليمنية مع التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، ومع الصراع الأوسع حول إيران وممرات الطاقة والتجارة.
وبذلك أصبح اليمن، بصورة مؤسفة، إحدى الساحات التي تتقاطع فيها حسابات متعددة تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية.
أين الولايات المتحدة؟
ربما يكون السؤال الأكثر حضورًا الآن: إذا كان الحوثيون قد تمكنوا من التقدم على الساحل الغربي والوصول إلى مواقع استراتيجية في باب المندب، فلماذا لا نشهد تدخلًا أمريكيًا مباشرًا؟
الإجابة تكشف جانبًا مهمًا من طبيعة السياسة الأمريكية.
فالولايات المتحدة لا تبدو مستعدة في المرحلة الحالية للدخول في حرب يمنية جديدة بهدف حسم الصراع الداخلي أو استعادة الدولة اليمنية عسكريًا.
وقد ظهر ذلك بوضوح عندما طلب ولي العهد السعودي من الرئيس ترامب تنفيذ ضربات أمريكية مباشرة ضد الحوثيين، بينما رفضت الإدارة الأمريكية الطلب في الوقت الراهن، مع استمرار تقديم الدعم الاستخباراتي والمساعدة في تحديد الأهداف. كما أوضحت مصادر أمريكية أن واشنطن تركز على حماية مصالحها الأساسية وحرية الملاحة، وتريد أن يتولى شركاؤها الإقليميون قدر الإمكان إدارة التحديات الأمنية المحلية.
وهنا تظهر مفارقة مهمة:
واشنطن لا تريد للحوثيين أن يهددوا الملاحة الدولية، لكنها لا تريد في الوقت نفسه أن تتحول مواجهة الحوثيين إلى حرب أمريكية جديدة في اليمن.
وقد أكد نائب الرئيس الأمريكي ج. د. فانس أن واشنطن تجري اتصالات مباشرة مع الحوثيين، في مؤشر واضح إلى أن الإدارة الأمريكية تبحث عن صيغة لاحتواء الخطر دون الانخراط في مواجهة عسكرية شاملة.
المواطن الأمريكي حاضر في الحسابات
لا يمكن فهم السياسة الأمريكية في هذه المرحلة بعيدًا عن الداخل الأمريكي.
فمع ارتفاع أسعار النفط وتزايد المخاطر على طرق الطاقة، تصبح أي مواجهة جديدة في البحر الأحمر قابلة للانعكاس على أسعار الوقود والنقل والتضخم داخل الولايات المتحدة.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، تصبح هذه المسألة أكثر حساسية سياسيًا.
فالناخب الأمريكي قد لا يتابع تفاصيل الصراع اليمني، لكنه يشعر مباشرة بارتفاع سعر البنزين وتكاليف المعيشة.
ولهذا فإن واشنطن قد تكون أكثر اهتمامًا بمنع اضطراب الملاحة الدولية وارتفاع أسعار الطاقة من اهتمامها بحسم الحرب اليمنية نفسها.
وبعبارة أخرى:
بالنسبة إلى واشنطن، حماية الملاحة الأمريكية والدولية ومنع ارتفاع كلفة الطاقة قد تكون أولوية عاجلة، بينما استعادة الدولة اليمنية تمثل قضية مختلفة لا تستدعي بالضرورة تدخلًا عسكريًا أمريكيًا مباشرًا.
وهذا يفسر جانبًا من السياسة الحالية.
هل نجح الحوثيون في فصل مصالحهم عن مصالح السعودية؟
هنا تكمن إحدى أخطر التطورات.
فالخطاب الحوثي الأخير يسعى إلى تقديم الحظر البحري باعتباره موجهًا أساسًا ضد السعودية، مع محاولة إبقاء الملاحة الدولية الأخرى بعيدًا عن المواجهة.
وبغض النظر عن مدى قدرة الحوثيين على الالتزام بهذه المعادلة، فإن مجرد طرحها يحمل دلالة سياسية مهمة؛ إذ يحاول الحوثيون أن يقولوا للقوى الكبرى:
يمكنكم الحفاظ على مصالحكم وملاحتكم، بينما تبقى المواجهة مع السعودية شأنًا إقليميًا.
وهذا قد يفسر جزئيًا استعداد واشنطن لفتح قناة مباشرة معهم، بدل الانتقال فورًا إلى مواجهة عسكرية واسعة.
لكن الخطر هنا أن يتحول الأمر تدريجيًا إلى اعتراف عملي بواقع جديد، حتى وإن لم يكن هناك اعتراف سياسي رسمي به.
الصين.. نموذج مختلف للحسابات الدولية
الصين تقدم مثالًا واضحًا على أن الدول الكبرى تتحرك أولًا وفق مصالحها.
فقد تحدثت تقارير عن اتصالات صينية مباشرة مع الحوثيين لضمان مرور ناقلاتها عبر باب المندب والبحر الأحمر، وتمكنت بالفعل عدة ناقلات صينية من العبور في ظل هذه التفاهمات.
وهذا لا يعني أن الصين تعترف بالسيطرة الحوثية أو تتبنى مشروع الحوثيين، وإنما يعني أن بكين تتعامل مع الواقع القائم وفق أولوياتها الاقتصادية وأمن تجارتها وإمداداتها.
وهنا تظهر قاعدة واقعية في العلاقات الدولية:
الدول لا تنظر فقط إلى من يسيطر على الممر الملاحي، وإنما إلى ما إذا كانت مصالحها وسفنها وتجارتها مهددة.
وهذا بالضبط ما يجعل مسألة باب المندب أكثر خطورة.
فإذا أصبح الممر مفتوحًا أمام سفن بعض الدول ومغلقًا أمام سفن دول أخرى، فإننا لا نكون أمام مجرد تهديد للملاحة، وإنما أمام محاولة لتحويل ممر دولي إلى أداة نفوذ سياسي.
وماذا عن بريطانيا وأوروبا؟
الموقف البريطاني والأوروبي لا يبدو حتى الآن متجهًا إلى مواجهة عسكرية واسعة جديدة في اليمن.
وهذا مفهوم في ضوء الأوضاع الاقتصادية والسياسية الداخلية في أوروبا، والرغبة في تجنب الانخراط في حرب جديدة ذات تكلفة غير واضحة.
لكن غياب التدخل العسكري لا يعني غياب الاهتمام.
فالدول الأوروبية معنية بحرية الملاحة وأمن التجارة، لكنها تحاول، مثل الولايات المتحدة، تحقيق ذلك بأقل تكلفة عسكرية ممكنة.
وهنا تظهر مرة أخرى الفجوة بين ما يريده المجتمع الدولي من اليمن وما يحتاجه اليمن نفسه.
المجتمع الدولي يريد في الحد الأدنى ممرات بحرية آمنة.
أما اليمن، فيحتاج إلى استعادة دولة قادرة على حماية أراضيها ومياهها وممراتها البحرية.
وماذا عن روسيا وإيران؟
لا يمكن فصل المشهد عن المنافسة الدولية الأوسع.
فإيران ترى في الحوثيين ورقة استراتيجية متقدمة في البحر الأحمر، بينما تمثل التطورات اليمنية بالنسبة لروسيا جزءًا من المشهد الأوسع للمنافسة مع الولايات المتحدة والغرب.
أما الصين، فتتعامل بدرجة أكبر مع المسألة من زاوية التجارة والطاقة والاستقرار الاقتصادي، مع الحفاظ على علاقاتها مع إيران ودول الخليج في آن واحد.
وبذلك لا نجد محورًا دوليًا واحدًا يتعامل مع اليمن بطريقة موحدة، بل نجد مصالح متقاطعة وحسابات متعددة.
وهذا يفسر لماذا لا تتحرك القوى الكبرى بالضرورة في الاتجاه الذي يتوقعه اليمنيون أو حتى حلفاؤهم الإقليميون.
السعودية أمام اختبار جديد
المملكة العربية السعودية تجد نفسها الآن أمام معادلة دقيقة.
فمن جهة، لا يمكنها تجاهل الهجمات الحوثية على أراضيها ومصالحها.
ومن جهة أخرى، لا تبدو الولايات المتحدة مستعدة حاليًا للدخول في مواجهة عسكرية مباشرة واسعة نيابة عنها.
كما أن الرياض تدرك أن الحرب المفتوحة تحمل تكلفة كبيرة، وأن البيئة الدولية والإقليمية الحالية تختلف عن السنوات السابقة.
ولهذا فإنها تحتاج إلى مزيج من الردع والتحرك السياسي والدبلوماسي، وتوسيع التنسيق العربي، وتنويع الشراكات الدولية، ودعم الدولة اليمنية.
وهنا تكتسب زيارة ولي العهد إلى القاهرة أهمية خاصة.
لماذا القاهرة؟
مصر ليست طرفًا بعيدًا عن هذه المعادلة.
فأمن باب المندب مرتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وقناة السويس، وأي اضطراب طويل الأمد في هذه المنطقة ينعكس على المصالح المصرية والعربية والدولية.
كما أن مصر والسعودية تمثلان ثقلًا عربيًا يمكن أن يلعب دورًا مهمًا في بلورة رؤية أكثر تماسكًا تجاه أمن البحر الأحمر واليمن.
ولذلك قد يكون أحد أهم أهداف اللقاء هو الانتقال من مجرد التضامن السياسي إلى بحث صيغة عملية للتنسيق المصري ـ السعودي بشأن أمن البحر الأحمر والتطورات اليمنية.
ولا يعني ذلك بالضرورة الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة، وإنما بناء موقف عربي أكثر قدرة على التأثير في مسار الأحداث.
وهل فشل "تحالف مكة"؟
من المبكر، في تقديري، القول إنه "ولد ميتًا"، لكن التطورات الأخيرة أظهرت بوضوح أن هذا الإطار لم يتحول حتى الآن إلى آلية عمل سياسية وأمنية فاعلة تتناسب مع خطورة المرحلة.
فلكل دولة حساباتها.
والتحدي الحقيقي ليس في الإعلان عن التحالفات، وإنما في القدرة على تحويلها إلى موقف مشترك وآليات تنفيذية عندما تتعرض دولة عربية لتهديد مباشر أو عندما يتعرض أمن البحر الأحمر للخطر.
وقد تكون التطورات الأخيرة فرصة لإعادة تقييم هذا الإطار، بدل الاكتفاء بإعلان التضامن.
اليمن.. الحلقة الأضعف في صراع الكبار
ربما تكون هذه هي الخلاصة الأكثر إيلامًا.
فكل طرف دولي وإقليمي ينظر إلى اليمن من زاوية مختلفة:
إيران تنظر إليه كجزء من منظومة نفوذها الإقليمي.
السعودية تنظر إليه من زاوية أمنها القومي.
مصر تنظر إليه من زاوية أمن البحر الأحمر وقناة السويس.
الولايات المتحدة تنظر إليه من زاوية الملاحة والطاقة والمواجهة مع إيران وتوازناتها الداخلية.
الصين تنظر إليه من زاوية التجارة والطاقة.
روسيا تنظر إليه ضمن صراعها الأوسع مع الغرب.
وأوروبا تريد حماية مصالحها التجارية دون تحمل تكلفة حرب جديدة.
أما اليمن نفسه، فيحتاج إلى شيء مختلف تمامًا:
دولة ذات سيادة، وجيش وأمن موحدان، وقرار وطني مستقل، ومؤسسات قادرة على حماية الأرض والمياه والممرات البحرية.
وهنا تكمن المأساة.
فإذا أصبح الهدف الدولي هو فقط أن تمر السفن بأمان، فقد يتم التعايش مع واقع سياسي وعسكري لا يخدم بالضرورة استعادة الدولة اليمنية.
أما إذا أصبح استقرار البحر الأحمر مرتبطًا باستقرار اليمن وقيام دولة يمنية قوية، فإن مصالح المجتمع الدولي والعرب واليمنيين ستلتقي.
ما الذي يمكن أن يخرج به لقاء السيسي ومحمد بن سلمان؟
لا أتوقع بالضرورة إعلانًا عن تحرك عسكري مباشر.
الأرجح أن يكون التركيز على:
• تعزيز التنسيق المصري ـ السعودي بشأن أمن البحر الأحمر.
• دعم وحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه.
• منع تحويل باب المندب إلى منطقة نفوذ دائمة لأي طرف.
• دعم الحكومة اليمنية ومؤسسات الدولة.
• تنسيق المواقف مع القوى الدولية المؤثرة.
• البحث عن آلية عربية أكثر فاعلية للتعامل مع التطورات.
• التأكيد على أن أمن الملاحة لا يمكن فصله عن أمن الدول المشاطئة للبحر الأحمر.
وقد تكون الرسالة الأهم التي يمكن أن تخرج من القاهرة:
أن حماية الملاحة الدولية واستعادة الدولة اليمنية ليستا هدفين متعارضين، بل هدفان متلازمان.
الخلاصة
المشهد اليمني اليوم أكثر تعقيدًا من أن يفسر فقط باعتباره تقدمًا عسكريًا للحوثيين أو تراجعًا للقوى المناهضة لهم.
إنه جزء من إعادة تشكيل أوسع لموازين القوى في المنطقة.
والولايات المتحدة، على ما يبدو، تريد احتواء الخطر دون فتح جبهة جديدة؛ والحوثيون يحاولون استثمار الواقع الميداني لفرض معادلة تفاوضية؛ والصين تحمي مصالحها التجارية؛ وإيران تحافظ على ورقة نفوذها؛ بينما تبحث السعودية عن صيغة تحمي أمنها دون الانجرار إلى حرب مفتوحة.
وفي وسط هذه الحسابات كلها، يبقى السؤال العربي الأهم:
هل تستطيع الدول العربية أن تنتقل من ردود الفعل إلى بناء تصور مشترك يجعل أمن اليمن والبحر الأحمر وباب المندب جزءًا من منظومة أمن عربي واحدة؟
إن ترك اليمن ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية لن يؤدي إلا إلى تثبيت واقع أكثر تعقيدًا.
أما استعادة الدولة اليمنية، ودعم قرارها الوطني، وتحييدها عن صراعات المحاور، فهي ليست مصلحة يمنية فقط؛ بل أصبحت مصلحة سعودية ومصرية وعربية ودولية.
ولعل لقاء القاهرة يمثل فرصة لإعادة طرح هذه المعادلة:
أمن اليمن جزء من أمن البحر الأحمر، وأمن البحر الأحمر جزء من الأمن العربي، واستقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق من خلال إدارة الأزمات فقط، وإنما من خلال معالجة جذورها.