بين طيات النسيم البحري الذي يُفترض أن يحمل شيئاً من الترويح عن النفس في ساحل البريقة، تتكشف فصول مأساة إنسانية اعتصفت بقلوب العشرات من الأسر النازحة التي لا تملك من حطام الدنيا شيئاً. على رمال الساحل، حيث تتكسر الأمواج، تتكسر أيضاً آمال عائلات هجرتها قسوة الصراعات لتفترش العراء بلا مأوى ولا رغيف خبز. لم يعد الساحل متنفساً للترويح، بل تحول إلى محطة انتظار قاسية لمصير مجهول يعيشه مئات المستضعفين تحت سماء مفتوحة بلا أغطية تحميهم من برد الليل أو قسوة الجوع.
جوع تحت المطر وسماء بلا مأوى
شهادة طفلة: "يا أمي أموت من الجوع". كلمات بريئة خرجت من شفتي طفلة لم تتجاوز ربيعها السابع، تختصر ديواناً من العذاب اليومي الذي تعيشه الأسر النازحة في ظل انعدام أبسط مقومات العيش الكريم من غذاء وماء ومأوى.
صمت الأب وقهر العجز: رب أسرة مكونة من سبعة أفراد (أب، أم، ولدان، وثلاث بنات)، جلس واضعاً يديه على رأسه وعيناه تفترشان الأرض، عاجزاً عن توفير وجبة واحدة لأطفاله منذ الصباح وحتى حلول المساء، لخص معاناته بعبارة موجعة: "فين أروح؟ أنا نازح وأولادي بلا غداء ولا عشاء ولا مأوى".
عفة رغم الفاقة: رغم قسوة الجوع وبرد الساحل، رفض الأب في البداية مد يد العون أو قبول الضيافة إمعاناً في الحفاظ على كرامة عائلته، قبل أن يلين قلبه أمام إصرار فعل الخير والإنسانية الذي جسده المارة من أبناء عدن الأوفياء.
نداء ضمير لعدن وأهلها: مأساة تتطلب تدخلاً عاجلاً
تتحول السواحل والحدائق العامة في العاصمة المؤقتة عدن تدريجياً إلى مخيمات عشوائية تفتقر لأبسط الخدمات الصحية والإنسانية، في ظل غياب شبه تام لدور الجهات الرسمية والقيادات المسؤولة عن إدارة ملف النازحين. إن ما تشهده البريقة وغيرها من المديريات ليس مجرد أرقام في تقارير المنظمات، بل هي قصص آدمية تدمي القلب وتستنفر الضمير الحي لكل قادر ومقتدر.
الواجب الديني والأخلاقي والإنساني يحتم على تجار عدن، وسكانها الأحرار، والمنظمات المحلية، الوقوف بحزم وبشكل عاجل إلى جانب هذه الأسر المتعففة التي تجرعت مرارة النزوح وقسوة الحرمان. إن كسرة خبز تقدمها اليوم لطفل جائع، أو مأوىً تستر به عرض عائلة عفيفة، هي الدرع الحقيقي لحفظ كرامة الإنسان وتجسيد التلاحم الحقيقي الذي عُرف به أهل الجود والكرم، فالله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.