تتسارع التطورات الجيوسياسية والعسكرية في الساحل الغربي لليمن بشكل غير مسبوق، واضعة أمن الطاقة العالمي والملاحة الدولية في مهب ريح التصعيد، عقب سيطرة مليشيا الحوثي على مدينة وميناء المخا الاستراتيجية وجزيرة ميون (بيريم) المطلة مباشرة على مضيق باب المندب.
هذا التحول الميداني الكبير، الذي حظي بمباركة علنية وتوجيه من الحرس الثوري الإيراني، أثار موجة قلق عارمة في عواصم القرار الدولي، وسط مؤشرات على صدمة اقتصادية قد تعيد تشكيل خارطة ممرات الطاقة الحيوية في العالم.
بورصة الطاقة تشتعل فور سقوط الساحل
لم تتأخر أسواق النفط العالمية في التفاعل مع هذا التحول الدراماتيكي؛ إذ قفزت أسعار خام برنت فوراً لتتخطى حاجز الـ105 دولارات للبرميل. ويعكس هذا الصعود السريع مخاوف الأسواق الحقيقية من تعطل الشريان البحري الذي يتدفق عبره قرابة 10% إلى 12% من إجمالي تجارة النفط والغاز المسال العالمية.
ويرى محللون اقتصاديون أن بقاء الساحل الغربي لليمن تحت النفوذ الحوثي المباشر، قد يدفع بأسعار الطاقة نحو مستويات قياسية جديدة قد تلامس عتبة الـ120 دولاراً، نتيجة الارتفاع الجنوني في كلفة التأمين على ناقلات النفط العملاقة والمخاطر الأمنية المحدقة بها.
تكتيك الخنق المزدوج لخطوط الملاحة
الرعب الجيوسياسي الحقيقي الذي يقض مضاجع القوى الكبرى يكمن في إغلاق طرفي الهلال النفطي، للمنطقة برعاية إيرانية.
ففي الوقت الذي يعاني فيه مضيق هرمز من شبه شلل وتراجع حاد في حركة الناقلات جراء المناوشات العسكرية المستمرة بين واشنطن وطهران، جاء سقوط المخا وباب المندب ليقطع البديل البحري الآمن.
وباتت السفن والناقلات الخارجة من الخليج العربي نحو البحر الأحمر وقناة السويس ثم أوروبا، تقع بين فكي كماشة؛ هرمز من الشرق وباب المندب من الغرب، ما يعني عملياً إخضاع حركة التجارة الدولية لابتزاز سياسي وعسكري مباشر.
ضربة لـصمام الأمان.. أرامكو تحتاط والبدائل مكلفة
ألقى هذا التطور بظلاله الثقيلة على المملكة العربية السعودية، التي كانت تعتمد على البحر الأحمر كمنفذ استراتيجي لتجاوز أزمات مضيق هرمز. وكان خط أنابيب شرق – غرب، السعودي يمثل صمام الأمان لنقل النفط من شرق المملكة إلى موانئ ينبع الغربية وتصديره بأمان؛ غير أن وصول الحوثيين إلى باب المندب وضع المصب النهائي لهذه الأنابيب تحت رحمة التهديد العسكري المباشر.
هذا الواقع الجديد دفع بشركة "أرامكو" والجهات الرسمية في المملكة لاتخاذ تدابير أمنية واحترازية صارمة، في وقت تبحث فيه شركات الملاحة مجدداً عن مسارات بديلة وطويلة، كطريق رأس الرجاء الصالح، مما يضاعف كلفة الشحن والوقت الزمني للإمدادات.
المضيق ورقة ضغط دولية
وعلى الرغم من محاولات المليشيا الحوثية إرسال رسائل تطمين للمجتمع الدولي، بادعاء أن حركة التجارة والملاحة الدولية ستبقى آمنة ومنتظمة، إلا أن هذه الوعود تُجابه بتشكيك دولي وإقليمي واسع.
ويرى خبراء عسكريون ومراقبون أن التحركات الميدانية للحوثيين وحلفائهم في طهران لا تستهدف السيطرة المحلية فحسب، بل تسعى لفرض أمر واقع يتمثل في تحويل مضيق باب المندب إلى "هرمز ثانٍ" يُدار كأداة ضغط استراتيجية لابتزاز القوى الكبرى والمجتمع الإقليمي، وفرض شروط سياسية واقتصادية جديدة في أي مفاوضات مستقبلية.