يرى مراقبون للشأن اليمني أن توحيد الصفوف السياسية والعسكرية وتنسيق الجهود بين مختلف القوى المناهضة لمليشيات الحوثي يمثلان أحد أهم المفاتيح لإعادة ترتيب المشهد اليمني، مؤكدين أن تماسك الجبهات وتوحيد القرار يمكن أن يحدّا من قدرة مليشيات الحوثي على استغلال الانقسامات الداخلية، ويدفعا باتجاه استعادة مؤسسات الدولة وتهيئة الطريق أمام سلام أكثر استدامة.
وقالوا في أحاديث متفرقة مع وكالة خبر، إن طبيعة المواجهات في اليمن تجاوزت حدود المواجهة بين أطراف محلية متفرقة، لتصبح معركة مرتبطة بمستقبل الدولة ومؤسساتها وشكل النظام السياسي، الأمر الذي يجعل توحيد المواقف والقرارات أولوية لا تقل أهمية عن التطورات الميدانية.
استراتيجية استنزاف طويلة
وعلى مدى سنوات الحرب، تمكنت مليشيات الحوثي من الاستفادة من تعدد مراكز القرار وتباين الأولويات بين القوى المناهضة لها، وهو ما أتاح لها نقل ثقلها العسكري من جبهة إلى أخرى وفقاً لمتطلبات المعركة.
ويعتقد مراقبون، أن هذه الاستراتيجية وفرت لمليشيات الحوثي مساحة للمناورة وإعادة توزيع القوات والموارد، في وقت ظلت فيه جبهات عدة تعمل بدرجات متفاوتة من التنسيق، الأمر الذي انعكس على مسار الحرب وأطال أمدها.
وبحسب المراقبين، فإن الانتقال من إدارة جبهات منفصلة إلى استراتيجية عسكرية وسياسية متكاملة من شأنه أن يغيّر قواعد الاشتباك، بحيث لا تستطيع مليشيات الحوثي التعامل مع كل جبهة باعتبارها معركة منفردة.
وتمتد خطوط المواجهة في اليمن عبر مناطق جغرافية واسعة، من مأرب والجوف وتعز والضالع، وصولاً إلى الساحل الغربي، فيما تمثل كل جبهة جزءاً من خارطة الصراع الأوسع.
ويقول مراقبون، إن تنسيق هذه الجبهات وتكامل أدوارها يمكن أن يفرض على مليشيات الحوثي توزيع قدراتها العسكرية بدلاً من تركيزها في اتجاه واحد، كما يمكن أن يقلل من قدرتها على استثمار الهدوء في بعض الجبهات لتعويض الخسائر أو إعادة الانتشار.
ويضيفون أن "كل جبهة ينبغي أن تسند الأخرى، وأن ينظر إلى أي تصعيد أو تقدم ميداني باعتباره جزءاً من معركة وطنية واحدة، لا باعتباره شأناً خاصاً بمنطقة أو محافظة."
توحيد القرار
ويرى المراقبون، أن توحيد القرار لا يعني الجانب العسكري فقط، بل يتطلب كذلك تقارباً سياسياً بين القوى اليمنية، ووضع أولويات وطنية مشتركة تتقدم على الحسابات الحزبية والمناطقية.
ويشيرون إلى أن وجود رؤية سياسية موحدة إلى جانب التنسيق العسكري من شأنه أن يعزز الموقف اليمني في أي مفاوضات مستقبلية، ويمنع استغلال الخلافات الداخلية لإعادة إنتاج الصراع أو فرض ترتيبات سياسية لا تعالج جذور الأزمة.
ويؤكدون أن الدعم الذي تقدمه دول التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية للقوات الحكومية يمكن أن يكون أكثر فاعلية في ظل وجود قيادة وقرار وطنيين أكثر تنسيقاً، مشيرين إلى أن التكامل بين القدرات اليمنية والدعم الإقليمي يمثل عاملاً مهماً في تعزيز قدرة الحكومة على حماية المناطق الخاضعة لها ومواجهة مليشيات الحوثي.
ضغط متزايد
في المقابل، يرى مراقبون أن مليشيات الحوثي تواجه تحديات متراكمة على المستويين العسكري والسياسي، وأن الخطاب الإعلامي للمليشيات بات يلعب دوراً متزايداً في محاولة احتواء آثار الضغوط والخسائر وتقديم صورة مغايرة عن واقعها الميداني.
ويشيرون إلى أن استمرار الحرب واستنزاف الموارد وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في مناطق سيطرة مليشيات الحوثي قد يزيد من الضغوط الشعبية، خصوصاً في ظل غياب حلول سياسية حقيقية تنهي حالة الصراع.
لكنهم يحذرون في الوقت ذاته من أن أي حديث عن ضعف مليشيات الحوثي لا ينبغي أن يقود إلى التقليل من قدراتها، مؤكدين أن المليشيات لا تزال تمتلك أدوات للقتال والمناورة، وأن حسم المعركة يتطلب استراتيجية طويلة النفس تجمع بين الضغط العسكري والسياسي والدبلوماسي.
صنعاء.. عنوان استعادة الدولة
ويؤكد المراقبون، أن صنعاء ستظل محوراً رئيسياً في أي تصور لمستقبل الدولة اليمنية، باعتبارها العاصمة ومركز مؤسسات الدولة، مشيرين إلى أن استعادتها لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها هدفاً عسكرياً منفرداً، وإنما جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز سيادة القانون.
وذكروا، إن الهدف النهائي لأي تحرك عسكري وسياسي ينبغي أن يتمثل في استعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها، محذرين من أن استمرار الانقسامات بين القوى المناهضة لمليشيات الحوثي قد يبدد أي مكاسب ميدانية.
السلام يحتاج إلى قوة دولة
ويرى المراقبون أن السلام المستدام في اليمن لن يكون نتاج اتفاق سياسي هش بين أطراف متصارعة فحسب، بل يحتاج إلى وجود دولة ومؤسسات قادرة على تنفيذ أي اتفاق وضمان احترامه.
ويضيفون أن بناء السلام يتطلب في الوقت نفسه معالجة الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، وضمان حقوق اليمنيين، وتهيئة بيئة تسمح بعودة مؤسسات الدولة والعمل على إعادة الإعمار ومعالجة الآثار التي خلفتها سنوات الحرب.
ويؤكدون أن المسار العسكري والسياسي ليس بالضرورة مسارين متعارضين؛ فامتلاك موقف وطني موحد وقدرة على حماية الدولة يمكن أن يعززا فرص التوصل إلى تسوية سياسية أكثر توازناً، بينما يبقى الانقسام أحد أبرز العوامل التي تستفيد منها مليشيات الحوثي.
وبحسب المراقبين، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من إدارة الصراع وفق جبهات ومصالح متفرقة إلى بناء استراتيجية وطنية شاملة، تتكامل فيها القوات المسلحة، وتتوحد فيها القرارات السياسية والعسكرية، وتتقارب فيها القوى اليمنية حول هدف واضح يتمثل في استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب.
ويخلص المراقبون إلى أن وحدة القرار قد تكون العامل الأكثر تأثيراً في تغيير معادلة الحرب؛ فكلما اتسقت الجبهات وتكاملت الموارد وتراجعت الخلافات الداخلية، تقلصت قدرة مليشيات الحوثي على استثمار الانقسامات، وأصبح الطريق أكثر وضوحاً نحو تسوية سياسية تستند إلى دولة موحدة ومؤسسات شرعية وسلام قابل للاستمرار.