أخبار محلية

اسرار | بالارقام والتفاصيل- إنتاج متراجع وتطمينات بلا أثر.. غاز (صافر) يغيب عن المواطنين وتضارب القرارات يغذي السوق السوداء

اسرار سياسية- اسرار سياسية 22/08/2026 22:28 608 مشاهدة
اسرار | بالارقام والتفاصيل- إنتاج متراجع وتطمينات بلا أثر.. غاز (صافر) يغيب عن المواطنين وتضارب القرارات يغذي السوق السوداء

متابعات خاصة 

تتجه أزمة الغاز المنزلي في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة نحو منعطف معقد، حيث استقرت طوابير المواطنين أمام محطات التعبئة، وتضاعفت شكاوى الأسر من تغول السماسرة وانتشار السوق السوداء، في وقت تتخبط فيه المؤسسات الرسمية بتصريحات متناقضة تعكس أزمة إدارة وتخطيط عميقة في أحد أكثر الملفات حرجاً بالنسبة للأمن المعيشي.

تناقض رسمي.. تطمينات تتبدد خلال أيام

فجر البيان الرسمي الصادر عن الشركة اليمنية للغاز شكوكاً واسعة حول شفافية البيانات المقدمة للرأي العام. فبعد أيام قليلة من إعلان انتهاء أعمال الصيانة الدورية في معامل شركة "صافر" بمارب في 26 يونيو واستعادة مستويات الإنتاج تدريجياً، عادت الشركة بمذكرة رسمية وجّهها مديرها التنفيذي، المهندس محسن بن وهيط، لوزير النفط والمعادن، تعلن فيها توقف المعمل رقم (CPU-2) فجأة عن الخدمة.

وبحسب مذكرة رسمية وجهها المدير التنفيذي للشركة اليمنية للغاز، المهندس محسن بن حمد بن وهيط، إلى وزير النفط والمعادن، توقف معمل إنتاج الغاز المنزلي (CPU-2) عند الساعة العاشرة من صباح الثلاثاء 18 أغسطس، فيما لم تتجاوز الكمية التي جرى ترحيلها من المعمل قبل توقفه 240 برميلاً. وأوضحت المذكرة أن التوقف سيؤدي إلى عجز يومي يقدر بنحو 6 آلاف برميل، الأمر الذي يضيف ضغطاً جديداً على سوق تعاني أصلاً من اختناقات حادة.

تطمينات لم تصمد سوى أيام

المفارقة الأبرز في الأزمة أن إعلان توقف المعمل جاء بعد أيام قليلة فقط من تصريحات رسمية حملت تطمينات بانتهاء أعمال الصيانة وعودة الإنتاج إلى الارتفاع.

وكان المدير التنفيذي للشركة قد أعلن انتهاء أعمال الصيانة التي بدأت في 26 يونيو، مؤكداً أن الإنتاج بدأ بالارتفاع تدريجياً وأن الشركة تعمل على إعادة الاستقرار إلى السوق المحلية. لكن الإعلان اللاحق عن توقف معمل كامل وتسجيل عجز جديد بنحو 20 مقطورة يومياً أعاد الأزمة إلى نقطة أكثر تعقيداً، وفتح الباب أمام تساؤلات جدية بشأن دقة البيانات التي تقدم للمواطنين وطبيعة المشكلات الفنية والإدارية التي تواجه قطاع الغاز.

والأكثر إثارة للتساؤل أن المذكرة الرسمية لم تقدم تفسيراً واضحاً ومفصلاً لأسباب التراجع الحاد في إنتاج المعمل قبل توقفه، إذ تشير البيانات إلى هبوط الإنتاج من 5,816 برميلاً في 7 أغسطس إلى 240 برميلاً فقط قبيل الإيقاف. وهذا التراجع الكبير يحتاج إلى تفسير فني شفاف، خصوصاً أن الإعلان عن توقف المعمل جاء بعد تأكيدات رسمية بجاهزية معامل الإنتاج وبدء تحسن الإمدادات.

في المقابل، قدمت وزارة النفط والمعادن تفسيراً واسعاً للأزمة، وقالت إن الاختناقات الحالية ليست ناتجة عن تقصير إداري أو استهداف لمحافظة بعينها، وإنما عن تراكم مجموعة من العوامل، أبرزها القطاعات القبلية التي تعرضت لها ناقلات الغاز، والتوسع غير المنظم في استخدام الغاز للسيارات والمنشآت التجارية، إضافة إلى أعمال الصيانة في معامل صافر.

ووفق بيان الوزارة، تعرضت ناقلات الغاز لـ25 قطاعاً قبلياً خلال الفترة من يناير وحتى أغسطس 2026، أدت إلى تعطيل الإمدادات لمدة إجمالية بلغت 126 يوماً، وهو ما أثر بصورة مباشرة على انتظام وصول الكميات المخصصة للسوق المحلية. كما أقرت الوزارة بأن التحول المتزايد من البنزين إلى الغاز في السيارات والمنشآت التجارية أدى إلى استنزاف جزء من الكميات التي يفترض أن تذهب للاستهلاك المنزلي.

غير أن تحميل الأزمة للقطاعات المسلحة وحدها لا يبدو كافياً لتفسير جميع جوانب الاختناق، خصوصاً أن المشكلة استمرت حتى بعد إعلان انتهاء أعمال الصيانة. كما أن استمرار العجز، بالتزامن مع الإعلان عن توقف معمل جديد، يجعل السؤال يتجاوز قضية النقل والقطاعات إلى صميم إدارة الإنتاج والتوزيع والرقابة.

فإذا كانت الطرق تمثل أحد أسباب الأزمة، فإن توقف معمل إنتاج وخسارة نحو 6 آلاف برميل يومياً يمثل مشكلة مختلفة تحتاج إلى كشف أسبابها للرأي العام، بدلاً من الاكتفاء بتفسيرات عامة لا تجيب عن سبب التراجع المفاجئ في الإنتاج.

أرقام الإنتاج تفتح ملفاً أكبر

وتشير البيانات الواردة في المادة إلى تراجع كبير في مستويات إنتاج صافر خلال السنوات الماضية، إذ نقلت عن الصحفي عمار علي أحمد أن الإنتاج انخفض من نحو 128 قاطرة يومياً في عام 2023 إلى 54 قاطرة، ثم إلى نحو 21 قاطرة في الوقت الراهن.

وإذا صحت هذه الأرقام، فإن الأزمة الحالية لا تبدو مجرد اختناق مؤقت ناجم عن صيانة أو قطاعات على الطرق، وإنما تكشف عن تراجع أعمق في القدرة الإنتاجية، وعن حاجة ملحة إلى مراجعة شاملة لواقع قطاع الغاز، من الإنتاج مروراً بالنقل والتوزيع وصولاً إلى نقاط البيع.

وهنا تتضح خطورة الاكتفاء بالمعالجات الطارئة. فإعادة توزيع الكميات أو تشكيل لجان ميدانية قد تخفف الاختناق لفترة قصيرة، لكنها لا تعالج أصل المشكلة إذا كانت الطاقة الإنتاجية تتراجع بصورة مستمرة، أو إذا كانت هناك اختلالات في إدارة سلاسل الإمداد والتوزيع.

وتبرز مشكلة أخرى في تصريحات المسؤولين، تتعلق باتجاهات السياسة الحكومية تجاه الغاز. ففي الوقت الذي يعاني فيه المواطنون نقصاً حاداً في مادة أساسية، تحدث وزير النفط والمعادن عن أن رفع الإنتاج يحتاج إلى موارد كبيرة، وأن الاستيراد من الخارج يمثل أحد الحلول، بالتزامن مع الحديث عن مفاوضات مع شركة توتال لاستئناف تصدير الغاز من منشأة بلحاف، بحسب ما ورد في المادة.

وهنا يبرز سؤال مشروع: كيف يمكن أن تتحدث الحكومة في الوقت نفسه عن استيراد الغاز لتغطية احتياجات السوق المحلية وعن استئناف تصدير الغاز إلى الخارج، بينما تعجز المنظومة الحالية عن توفير الأسطوانة للمواطن بالسعر الرسمي؟

هذا التناقض، إن لم تقدم الحكومة تفسيراً واضحاً له، يضع سياسة إدارة الغاز أمام اختبار حقيقي، ويعزز الانطباع بأن المواطن يأتي في نهاية سلسلة الأولويات، رغم أن الغاز المنزلي يرتبط مباشرة بالأمن المعيشي للأسر.

المواطن يدفع ثمن الفوضى

وفي ظل هذه التناقضات، يتحول المواطن إلى الحلقة الأضعف في سلسلة الأزمة. عشرات النساء وكبار السن يصطفون لساعات أمام محطات التعبئة، بينما تشير شكاوى المواطنين إلى نشاط السماسرة والوسطاء وتسرب جزء من الكميات إلى قنوات غير رسمية.

وتقول إفادات المواطنين الواردة في المادة إن بعض الكميات المخصصة للسوق المحلية يعاد توجيهها إلى المطاعم والفنادق أو تتسرب إلى السوق السوداء، ما يدفع الأسر إلى الانتظار طويلاً للحصول على أسطوانة واحدة أو شرائها بأسعار مرتفعة خارج القنوات الرسمية.

وإذا كانت هذه الشكاوى صحيحة، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بكمية الغاز المنتجة، وإنما أيضاً بمدى قدرة السلطات على حماية الكميات المخصصة للأسر وضمان وصولها إلى المستهلك النهائي. فالغاز الذي يُنتج ولا يصل إلى المواطن في النهاية لا يحل الأزمة، كما أن زيادة الإنتاج لن تكون كافية إذا استمرت حلقات التسرب والاحتكار والسوق السوداء.

وزارة النفط أعلنت جملة من الإجراءات، بينها إعادة هيكلة التوزيع، وزيادة الحصص المخصصة للمحافظات وفق الكثافة السكانية، وإعطاء الأولوية للاستهلاك المنزلي، ومراقبة حركة القاطرات من مناطق الإنتاج حتى محطات التعبئة، إلى جانب تشكيل لجان لتقييم أداء المحطات وضبط المخالفات. كما تحدثت عن التنسيق مع الجهات الأمنية والعسكرية لحماية خطوط النقل، والعمل على إنشاء مخزون استراتيجي للغاز في عدن وتنويع مصادر الإمداد.

لكن المشكلة أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لا تجيب حتى الآن عن السؤال الأهم: لماذا تراجع الإنتاج إلى هذه المستويات، ولماذا توقف أحد المعامل بعد أيام قليلة من الإعلان عن انتهاء الصيانة؟

كما أن استمرار الطوابير والاختناقات بعد إعلان عودة الإنتاج إلى الارتفاع يضع الإجراءات الحكومية أمام اختبار النتائج لا البيانات.

أزمة إدارة قبل أن تكون أزمة إمداد

المشكلة الأساسية في أزمة الغاز ليست فقط نقص البراميل أو توقف المقطورات، بل غياب رواية رسمية موحدة تستطيع أن تشرح للمواطن ما الذي يحدث فعلاً.

فالشركة تتحدث عن الصيانة والقطاعات وتأمين النقل، ثم تعلن فجأة توقف معمل وخسارة آلاف البراميل يومياً، فيما تقدم الوزارة تفسيراً يقوم على تراكمات متعددة، بينما تظل السوق تعاني الاختناق نفسه، ويجد المواطن نفسه أمام أسعار متزايدة وطوابير أطول وسوق سوداء أكثر نشاطاً.

وهذا التناقض يضعف الثقة بالمؤسسات المسؤولة، ويجعل كل إعلان جديد عن انفراج الأزمة موضع شك، خصوصاً بعد أن أثبتت التطورات الأخيرة أن التطمينات الرسمية يمكن أن تتبعها خلال أيام بيانات عن عجز جديد.

ولذلك فإن المعالجة الحقيقية لا تبدأ ببيان جديد، وإنما بكشف الأرقام الكاملة للإنتاج والتوزيع، وتحديد أسباب تراجع إنتاج صافر، وتوضيح أسباب توقف معمل CPU-2، ونشر الكميات المنتجة والمخصصة لكل محافظة، ومراقبة حركة القاطرات حتى وصولها إلى محطات البيع.

المواطن لا يحتاج إلى مزيد من التبريرات بقدر حاجته إلى أسطوانة غاز تصل إليه بالسعر الرسمي وفي الوقت المناسب. أما استمرار تضارب التصريحات وتبادل المسؤوليات بين الشركة والوزارة والسلطات المحلية، فلن يؤدي سوى إلى إطالة الأزمة وتوسيع السوق السوداء، فيما تظل الأسر اليمنية هي الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر لفشل إدارة واحدة من أكثر المواد ارتباطاً بالأمن المعيشي اليومي.