اليمن في الصحافة الخارجية

اغتيال بفأس لتسلق الجبال!

روسيا اليوم- اخبار 20/08/2026 08:08 224 مشاهدة
اغتيال بفأس لتسلق الجبال!
43 خبر

أخبار العالم

تاريخ النشر: 20.08.2026 | 05:06 GMT

في 20 أغسطس 1940، تعرّض ليون تروتسكي، القيادي الثوري الروسي المنفي، لهجوم بفأس لتسلق الجبال، في منزله المحصّن بحي كويواكان في مكسيكو سيتي، على يد عميل سوفيتي يدعى رامون ميركادر.

أصيب تروتسكي بجراح بالغة في رأسه، ولم يفقد وعيه على الفور، بل صارع مهاجمه وأمر حراسه بعدم قتله، لكن إصابته كانت قاتلة، إذ توفي في اليوم التالي، 21 أغسطس، ليختتم بذلك حياة حافلة بالصراع، وليصبح من رموز المعارضة العنيدة لستالين داخل الحركة الشيوعية العالمية.

كان تروتسكي أحد أبرز مهندسي ثورة أكتوبر عام 1917، ومؤسس الجيش الأحمر وقائده الفعلي خلال الحرب الأهلية الروسية، كما كان منظّرا ماركسيا لامعا طور نظرية "الثورة الدائمة"، التي أكدت على ضرورة استمرارية العمل الثوري وعدم اقتصاره على حدود دولة واحدة.

صراعه مع جوزيف ستالين حول قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي ومسار الثورة، انتهى بهزيمته السياسية، فطُرد من الحزب عام 1927، ونُفي إلى ألما آتا في كازاخستان عام 1928، ثم طُرد من الاتحاد السوفياتي نهائيا عام 1929، ليبدأ رحلة منفى طويلة تنقل خلالها بين تركيا وفرنسا والنرويج، قبل أن يستقر في المكسيك عام 1937 بدعوة من الرسام دييغو ريفيرا وزوجته فريدا كاهلو.

في المنفى، لم يتوقف تروتسكي عن مهاجمة ستالين ونظامه، واتهمه بتحريف الماركسية وإقامة ديكتاتورية بيروقراطية خانقة، وكتب أعمالا نقدية لاذعة مثل "الثورة المغدورة" و"ستالين"، وأسس الأممية الرابعة عام 1938 كبديل للأممية الثالثة التي سيطر عليها ستالين، محاولا جمع المعارضين اليساريين حول مشروعه الثوري.

هذا النشاط النقدي الحاد، إلى جانب نفوذه الفكري بين قطاعات من اليسار العالمي، جعل منه خطرا على صورة الاتحاد السوفياتي وشرعية نظام ستالين، خاصة في سياق حملات التطهير الكبرى والمحاكمات العلنية التي شهدتها موسكو في الثلاثينيات. كان تروتسكي يمثل صوتا مناوئا خطرا، ما دفع القيادة السوفيتية إلى جعل تصفيته أولوية كبرى، وكُلفت المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية بتنفيذ عملية حملت الاسم الرمزي "البطة".

كانت محاولة الاغتيال الأولى قد جرت في ليلة 24 مايو 1940، عندما اقتحم منزله مجموعة مسلحة بقيادة الفنان المكسيكي الشهير والشيوعي المتعصب ديفيد سيكيروس، وأمطروا غرفة نوم تروتسكي وزوجته ناتاليا سيدوفا بوابل من الرصاص والقنابل البدائية، لكن الزوجين نجيا بالاختباء تحت السرير، ولم يصب أحد بجروح خطيرة، واعتقلت الشرطة المكسيكية سيكيروس ورفاقه لكنها لم تكشف عن العقل المدبر، ما دفع الأجهزة السوفيتية إلى التخطيط لعملية أكثر دقة تعتمد على اختراق دائرة تروتسكي المقربة عبر عميل منفرد.

اختاروا لهذه المهمة، الإسباني رامون ميركادر، الذي جندته الاستخبارات السوفيتية بعد علاقة عاطفية مع سيلفيا أجيلوف، سكرتيرة تروتسكي الأمريكية الأصل، ما منحه فرصة للتسلل إلى محيطه تدريجيا تحت هويات مزيفة، فتارة ظهر كرجل أعمال بلجيكي اسمه جاك مورنارد، وتارة كمواطن كندي يدعى فرانك جاكسون، ونجح في كسب ثقة الحارس الشخصي والسكرتيرة، حتى أصبح زائرا معتادا للبيت دون إثارة الشكوك.

في صباح 20 أغسطس، حضر ميركادر إلى تروتسكي، وهو يخفي تحت معطفه فأسا صغيرا لتسلق الجبال، وتذرع بأنه يود عرض مقالة كتبها عن المسألة البلجيكية لينظر فيها تروتسكي.

فيما كان تروتسكي منشغلا في قراءة النص، وقف ميركادر خلفه ووجه له ضربة قوية على مؤخرة الرأس، أحدثت جرحا عميقا اخترق الجمجمة، لكنها لم تكن مميتة فورا، إذ استدار تروتسكي وصرخ واشتبك مع مهاجمه وسط دهشة الحراس الذين سارعوا إلى القبض على ميركادر.

نُقل تروتسكي إلى المستشفى حيث خضع لعملية جراحية عاجلة، لكن إصابته كانت بالغة التعقيد، وتوفي بعد نحو 24 ساعة من الاغتيال، تاركا خلفه إرثا سياسيا وفكرياً مثيرا للجدل ظل يؤثر في الحركات اليسارية لعقود.

بعد القبض عليه، مثل ميركادر أمام محكمة مكسيكية التي حكمت عليه بالسجن عشرين عاما، وهو الحكم الذي قضاه بكامل مدته، وخلال فترة سجنه التزم الصمت التام عن هويته الحقيقية ودوافعه، ما أثار كثيرا من التكهنات حول دوره، ولم يكشف عن انتمائه إلا بعد خروجه من السجن عام 1960، حين سافر إلى موسكو حيث استُقبل استقبال الأبطال، ومنح لقب بطل الاتحاد السوفياتي ووسام لينين، وعاش هناك حتى وفاته عام 1978، ليكون أحد الاستثناءات النادرة في تاريخ الاغتيالات السياسية التي كُرم بها المنفذ علنا.

لم تكن وفاة تروتسكي مجرد تصفية جسدية لخصم سياسي، بل كانت حدثا رمزيا حمل دلالات أعمق، إذ مثلت نهاية عصر القادة الثوريين المؤسسين الذين عارضوا نهج ستالين، كما جسدت شخصية الزعيم السوفيتي الذي لم يكن يقبل أي شكل من أشكال المعارضة أو الوساطة، ورسخت فكرة أن الخلافات الأيديولوجية داخل الحركة الشيوعية يمكن أن تحسم بالتصفية الجسدية، وهو ما أثر بعمق في مسار الشيوعية الدولية.

على الصعيد التاريخي، أصبحت عملية اغتيال تروتسكي واحدة من أشهر العمليات الاستخباراتية في القرن العشرين، وموضوعا رئيسا للدراسات حول العنف السياسي وأخلاقيات الثورة، ولا تزال تفاصيلها تثير اهتمام الباحثين وصناع الأفلام والكتّاب، حتى أن منزله في كويواكان تحول إلى متحف يحمل اسمه، يحتفظ بمعظم أثاثه ومكتبته وملابسه، ويستقبل زوارا من كل أنحاء العالم، ليكون شاهدا على حياة رجل عاش ومات في قلب الصراعات الأيديولوجية الكبرى، وعلى مأساة ثوري قضى سنوات عمره الأخيرة في المنفى، محاطا بالحراس والأسلاك الشائكة، لكنه لم يستطع أن يحمي نفسه من يد ستالين الطويلة، في قصة مثيرة تختزل في طياتها تناقضات القرن العشرين وتعقيداته.

المصدر: RT