أخبار محلية

اسرار | بالارقام والتفاصيل- من (أكذوبة الصيانة) إلى انقطاع المادة.. شركة الغاز اليمنية تنعش (السوق السوداء) وتُغرق المحافظات المحررة في الفوضى

اسرار سياسية- اسرار سياسية 20/08/2026 00:48 767 مشاهدة
اسرار | بالارقام والتفاصيل- من (أكذوبة الصيانة) إلى انقطاع المادة.. شركة الغاز اليمنية تنعش (السوق السوداء) وتُغرق المحافظات المحررة في الفوضى

عدن / مأرب — تقرير خاص

تتداعى أزمة الغاز المنزلي في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة نحو منزلق إنساني واقتصادي خطير، وسط تفاقم الطوابير أمام المحطات وانتعاش متصاعد لشبكات "السوق السوداء"، متزامناً مع ارتباك رسمي وتناقض صارخ في بيانات الشركة اليمنية للغاز التي تقف عاجزة عن إدارة المادة الأساسية لمعيشة ملايين اليمنيين.

تناقض البيانات الرسمية: 48 ساعة تُعرّي التطمينات

شهد الملف الإداري للأزمة سقطة إعلامية وتخطيطية كشفت حجم العشوائية داخل القيادة التنفيذية للشركة اليمنية للغاز بعد إعلانها اليوم الأربعاء، توقف معمل إنتاج الغاز (CPU-2) عن العمل منذ صباح الثلاثاء 18 أغسطس، الأمر الذي أدى، وفق مذكرة رسمية وجهها المدير التنفيذي للشركة المهندس محسن بن حمد وهيط إلى وزير النفط والمعادن، إلى خفض إنتاج الغاز المنزلي بنحو 6 آلاف برميل يوميًا، بما يعادل قرابة 20 مقطورة يوميًا.

وكشفت البيانات الواردة في المذكرة أن إنتاج المعمل كان يتراجع بصورة حادة خلال الأيام السابقة للتوقف، إذ انخفض من 5,816 برميلًا في 7 أغسطس إلى 240 برميلًا فقط قبيل إيقافه، دون أن تتضمن المذكرة أسبابًا واضحة ومفصلة للتراجع الحاد الذي سبق التوقف الكامل للمعمل.

وتفتح هذه التطورات بابًا واسعًا للتساؤلات حول إدارة ملف الغاز، خصوصًا أن الإعلان الأخير جاء بعد يومين فقط من تصريحات رسمية حملت تطمينات بشأن قرب انتهاء الأزمة وارتفاع الإنتاج تدريجيًا.

وكان المدير التنفيذي للشركة اليمنية للغاز، المهندس محسن بن وهيط، قد أعلن الأحد الماضي انتهاء أعمال الصيانة التي نفذتها شركة صافر منذ 26 يونيو، مؤكدًا بدء ارتفاع الإنتاج تدريجيًا، ومشيرًا إلى أن الشركة تعمل على ضمان استقرار تموين السوق المحلية ووصول الغاز إلى المواطنين في المحافظات المحررة.

غير أن الصورة التي ظهرت بعد 48 ساعة تقريبًا بدت مختلفة تمامًا، مع الإعلان عن توقف معمل كامل وانخفاض جديد في الإنتاج يعادل نحو 20 مقطورة يوميًا، ما يضع تصريحات الطمأنة السابقة أمام اختبار حقيقي، ويزيد علامات الاستفهام حول قدرة الشركة على إدارة أزمة تمس مادة أساسية في حياة ملايين المواطنين.

الصحفي عمار علي أحمد انتقد التناقض في البيانات الرسمية، مشيرًا إلى أن مدير شركة الغاز في مأرب أعلن قبل يومين انتهاء أعمال الصيانة وارتفاع الإنتاج تدريجيًا، قبل أن تظهر الشركة اليوم لتعلن توقف المعمل الثاني للإنتاج وزيادة العجز، دون توضيح الأسباب بشكل كافٍ.

وأشار عمار إلى أن إنتاج صافر، بحسب الأرقام التي أوردها، تراجع من نحو 128 قاطرة يوميًا في عام 2023 إلى 54 قاطرة، ثم إلى نحو 21 قاطرة حاليًا، معتبرًا أن هذا الانحدار الكبير في الإنتاج يفسر جانبًا من الاختناق المتفاقم في السوق.

كما انتقد الصحفي ما وصفه بالمفارقة في حديث وزير النفط والمعادن، الذي أشار في مقابلة تلفزيونية إلى أن رفع الإنتاج يحتاج إلى "موارد كثيرة"، وأن الحل يتمثل في الاستيراد من الخارج، في وقت يجري فيه الحديث عن مفاوضات مع شركة توتال لاستئناف تصدير الغاز من منشأة بلحاف.

وتساءل عمار بسخرية عن جدوى تصدير الغاز واستيراده في الوقت ذاته، معتبرًا أن المواطن هو الطرف الذي يدفع ثمن هذا الارتباك في السياسات والإدارة، بينما تتزايد معاناته أمام محطات التعبئة.

وفي عدن، تحولت الأزمة إلى معاناة يومية متصاعدة، حيث تصطف عشرات النساء وكبار السن لساعات أمام محطات تعبئة الغاز، وسط شكاوى من غياب التنظيم والرقابة وتدخل السماسرة والوسطاء في عمليات البيع والتوزيع.

ويقول مواطنون إن جزءًا من الكميات المخصصة للسوق المحلية يُعاد توجيهه إلى المطاعم والفنادق أو يتسرب إلى السوق السوداء، فيما تجد الأسر نفسها مضطرة للانتظار طويلًا للحصول على أسطوانة واحدة، أو شرائها بأسعار مرتفعة من خارج القنوات الرسمية.

وتزيد هذه الممارسات من حدة الأزمة، خصوصًا مع تدهور القدرة الشرائية للأسر وارتفاع تكاليف المعيشة، بينما تبدو الإجراءات المعلنة من الشركة اليمنية للغاز عاجزة حتى الآن عن وقف الفوضى التي تضرب عملية التوزيع.

وكانت الشركة قد حملت خلال إعلانها السابق مسؤولية جانب من الأزمة إلى قطع الطرق ومنع مقطورات الغاز من الوصول إلى المحافظات، إضافة إلى أعمال الصيانة في معامل الإنتاج، مؤكدة تشكيل غرفة عمليات مشتركة تضم الشركة ووزارتي الداخلية والدفاع وجهاز أمن الدولة لتأمين سلاسل الإمداد ومكافحة المتلاعبين والسوق السوداء.

لكن استمرار الطوابير والاختناقات بعد إعلان انتهاء أعمال الصيانة يطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: إذا كانت أعمال الصيانة قد انتهت فعلًا وكان الإنتاج يتجه إلى الارتفاع، فلماذا عاد العجز إلى الاتساع بهذه السرعة، ولماذا توقف أحد المعامل بعد أيام قليلة من تلك التطمينات؟

المواطنون في عدن والمحافظات المحررة لا يحتاجون إلى بيانات متضاربة بقدر حاجتهم إلى أسطوانة غاز تصل إليهم بالسعر الرسمي وفي الوقت المناسب. ومع استمرار الأزمة، تتزايد المطالب بكشف الأرقام الحقيقية للإنتاج والتوزيع، وتحديد أسباب تراجع إنتاج صافر، ومحاسبة أي جهات يثبت تورطها في تسريب الغاز إلى السوق السوداء أو التلاعب بحصص المواطنين.