في خضم التحديات المتزايدة التي يواجهها المرضى للحصول على موافقة مسبقة للعلاج الطبي الموصوف، يبرز الذكاء الاصطناعي كأمل لحل هذه المعضلة، لكنه يثير أيضاً مخاوف جدية بشأن احتمال تفاقم مشكلة رفض التغطية الصحية.
لطالما شكلت إجراءات الموافقة المسبقة، التي تتطلب موافقة شركات التأمين قبل صرف الأدوية أو إجراء العمليات، عبئاً ثقيلاً على المرضى والأطباء على حد سواء. وبينما تهدف هذه الإجراءات نظرياً إلى ضبط الإنفاق ومنع الإفراط في استخدام الخدمات، إلا أن نسبة كبيرة من الأطباء يعبرون عن قلقهم بشأن التأخير الذي قد يؤدي إلى تخلي المرضى عن العلاج الموصوف. وفي ظل سعي الإدارات الحكومية لتقليل النفقات الطبية غير الضرورية، تتجه الأنظار نحو الذكاء الاصطناعي كأداة قد تسرّع عملية الموافقة على الحالات الواضحة، لكن هذا التوجه لا يخلو من تحديات.
تُظهر استطلاعات الرأي والممارسات الفعلية قلقاً متزايداً بشأن دور الذكاء الاصطناعي. فقد كشف استطلاع أجرته الجمعية الطبية الأمريكية عام 2025 أن 61% من الأطباء يخشون أن يؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي إلى زيادة رفض طلبات العلاج الضروري. وتطالب الجمعية بضرورة تقديم مبررات سريرية مفصلة لرفض التغطية، وزيادة الشفافية حول خوارزميات الذكاء الاصطناعي المستخدمة. ويعلق محللون بأن الذكاء الاصطناعي يجب أن يُستخدم لتسهيل الموافقة على الرعاية المناسبة، لا لتسهيل رفض الرعاية الضرورية.
في الوقت الحالي، تقوم إدارة الرئيس ترامب بتجربة برنامج في ست ولايات يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتقليل الإنفاق الطبي غير الضروري. ومع ذلك، فإن مصير هذا النظام الملتوي لا يزال غير مؤكد. وتُظهر الأرقام أن ملايين المطالبات تُرفض سنوياً في برامج "ميديكير أدفانتج" بسبب إجراءات الموافقة المسبقة، حتى أن بعض الطلبات للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل تُرفض أحياناً. ويشير تقرير حديث إلى أن حوالي خُمس البالغين العاملين الذين لديهم تأمين خاص قد واجهوا رفضاً لتغطية رعاية طبية موصوفة لهم أو لأحد أفراد أسرهم، مما أدى إلى تأخير في العلاج وتدهور في الحالة الصحية لدى البعض.
تسعى الحكومات وشركات التأمين الخاصة إلى تحسين هذه الإجراءات. ففي عام 2024، أصدرت إدارة الرئيس بايدن قواعد تهدف إلى تقليل التأخيرات في الخطط الحكومية، وتتطلب اتخاذ قرارات الموافقة المسبقة في غضون 72 ساعة للحالات العاجلة وسبعة أيام للحالات غير العاجلة. كما وعدت شركات التأمين الخاصة بتوحيد الطلبات الإلكترونية وتقليل عدد الخدمات التي تتطلب موافقة مسبقة بحلول عام 2026 و 2027.
ومع ذلك، تثير مبادرات مثل نموذج "WISeR" (نموذج تقليل الخدمات المهدرة وغير المناسبة) الذي تستخدمه مراكز "ميديكير وميديكيد" للخدمات، مخاوف جديدة. فبينما تهدف هذه المبادرة إلى تقليل الاحتيال والهدر باستخدام الذكاء الاصطناعي، تشير تقارير أولية إلى أنها قد تسببت في تأخيرات ورفض للرعاية في بعض الحالات. كما أن هناك قلقاً بشأن الحافز المالي للمقاولين الذين يشاركون في هذه النماذج، حيث قد يحصلون على نسبة من "النفقات المتجنبة"، مما قد يشجع على رفض طلبات الرعاية. وعلى الرغم من أن بعض المشرعين يسعون لمنع تمويل هذه النماذج، إلا أن الإدارة تواصل التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، بينما تدعو في الوقت نفسه شركات التأمين الخاصة إلى تبسيط إجراءاتها.
في حين تؤكد بعض شركات التأمين على عدم استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل مستقل لرفض طلبات الموافقة المسبقة، وأن المراجعة البشرية لا تزال قائمة، يرى النقاد أن هناك "سباق تسلح" نحو رفض أسرع للطلبات، وأن الأتمتة تزيد من تعقيد نظام مكسور أساساً. يبقى السؤال الأهم: هل سيتمكن الذكاء الاصطناعي من إصلاح نظام الموافقة المسبقة المعقد، أم أنه سيزيد من تعقيده ويعمق مشاكله؟