مقالات

محمد علي محسن : اعترافات في فن العيش !

بوست 24 15/07/2026 10:12 372 مشاهدة
محمد علي محسن : اعترافات في فن العيش !

قالوا إنَّي رومانسي ، وقالوا أيضًا إنَّي واقعي ، وأنا لا أنكر ذلك ، فحياتي مزيجٌ عجيب من الرومانسية والموضوعية، ولا أظن في المسألة أيَّ عيبٍ أو نقصان .

نعم، أحب العيش دون قوالب جاهزة تحول بين فكر الإنسان وضميره، بين ماضيه وحاضره، بين عقله وقلبه، بين صخب العشرين وحماسة الثلاثين، وبين نضج الخمسين وحكمة الستين .

كثيرًا ما أقف أمام ذاتي، أتأمل، وأحيانًا أضحك لعنوان مستفز أو مقالٍ ثوري تمنيت الآن أنني لست كاتبه، وأعتقد الآن لو عاد بي الزمن لكنت لطَّفت من حدته قليلًا ، بما يروق لما أنا عليه اليوم .

فشتان بين من ينظر من عُلُوِّ الفضاء وبين من ينظر من الأسفل؛ في الأولى تتراءى لك الصورة كاملة بسعتها وزواياها، بينما في الثانية لا ترى إلا ما تيسر لك رؤيته دون الإلمام بكثير من التفاصيل ، وهكذا نحن في عنفوان الفتوة وفي سنيِّ ما بعد الأربعين والخمسين .

وكثيرًا ما تأملت في قوله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.

الحقيقة أن حياتي الآن أضحت أكثر تسامحًا وانفتاحًا، فلم يعد ذاك الشطط المثالي الذي –للأسف– ما زال البعض متشبثًا به، ولا هي بذاك الجمود المغلَّف بتابوتات فرعونية.

في الحالتين ليس هنالك ما يحول دون المصالحة بين الاثنين؛ فحتى ما هو مقدَّس ثمة مساحة للتنوع والاختلاف في التأويل والتفسير، كما أن المسافة شاسعة بين قراءة شاب متنطِّع جُل مسعاه إدخال مخالفيه جهنَّم، وبين فقيه عاش عمرًا مديدًا وخلصت معرفته إلى أن هداية الناس إلى طريق الفردوس أولى وأعظم .

المهم، أنني وكلما تصالحت مع ذاتي أدركت معنى أن تتصالح مع الآخر، وعلى هذه القاعدة الأصيلة أصبحت أعيش حياتي بما يعرف بفن العيش؛ فلا واقعية جامدة، ولا مثالية زائدة . 

فالحياة ليست معادلة رياضية، ولا قصيدة هائمة بلا أرض؛ إنها ذلك السر الممتد بين قبضة اليد المتيقظة وانفتاح القلب المتأمل ، هي أن تملك من الحكمة ما يجعلك تزرع في تربة الواقع الصلدة ، وتسقي بماء من ينبوع الخيال .

نعم، الواقعية المفرطة تحوّل الإنسان إلى آلة بارعة في حساب المال والوقت، لكنها تصمّه عن صوت المطر، وتعميه عن وهج الغروب، وتجفّف في روحه ينابيع الدهشة . تصبح أيامه سلسلة من مهام منجزة، ووجبات مهضومة، ونوم مبرمج؛ إنسان لا يفقه فن العيش، يسأل ذاته في لحظة صفاء: أين أنا من كل هذا؟

أما الرومانسية التي لا ترى غير النجوم والقمر ، وتنسى أن للقدمين أرضًا، فهي انتحار بطيء في زمن لا يرحم ، فكم من عاشق جميل اللسان جاع وتوارى في تعاسته مع كلماته؟ وكم من حالم طار في سماء الأحلام فسقط في واقع مرير تسوده لغة المادة والجوع والجهل والغلاء... إلخ؟

وبين أن تتحجر كالصخر وأن تتبخر كالسراب، ثمة أرض خصبة اسمها التوازن ، لا يرثها إلَّا من مشى على حدِّ السكين دون أن يدميه .

خلاصة الكلام، الحكمة ليست في الاختيار بينهما، وإنما في صنع تزاوج عجيب، بحيث يمكنك العيش بواقعية ورومانسية معًا . وجوهر الحكمة هنا هو أن ترى الدنيا بعين تستشرف الجمال، ويد تحسب الرزق، وأن تحلم بما يتسع للروح، وتعمل بما يكفي لمعدتك، وأن تحزن وتسعد لقلبك، وتقف بفكرك حين تقتضي المواقف .

وهنا يكمن السر الأعمق ؛ الوعي بزمنية الحياة؛ أن ندرك أن كل يوم نمضيه في جمود الواقع هو يوم نسرقه من أرواحنا، وكل يوم نضيعه في أوهام الرومانسية هو يوم نضيعه من وجودنا.

فزاد الإنسان لا يقتصر على الخبز والماء فقط، وإنما أيضًا تلك اللحظات التي يشعر فيها بأنه حي حقًا ؛ قُبلة طفل، دفء صداقة، رائحة مطر، همس قصيدة، أو دمعة صادقة في صلاة خلوة مع الله، أو تواصل مع أحباء، أو كلمة طيبة في لحظة كرب، أو إحسان ومعروف لفاقد الحيلة .

فن العيش هو أن تمسك بقبضة واعية على الواقع، وفي الوقت ذاته تترك نافذة مفتوحة للريح والضوء؛ أن تعرف متى تكون صارمًا كالصخر، ومتى تكون مرنًا كالماء؛ أن تدفع ديونك دون أن تدفن أحلامك ، أن تملك شجاعةَ أن تكون تامًا في نقصك، وقويًا في هشاشتك، وعميقًا في بساطتك .

عندها فقط، تصبح الحياة - بكل قسوتها وجمالها - رحلة خفيفة، ليس لأنها خالية من التحديات، ولكن لأنك تحملت فيها ما ينبغي، وتذوقت فيها ما يستحق .

الحياة يا صاحبي كلوحةٍ لا تكتمل إلا بضربتين ؛ ضربةِ فرشاةٍ جريئةٍ من ألوان الأرض، وأخرى شفيفةٍ من أضواء السماء ، فمن أتقن المزج بينهما، أبدع أجمل تحفة فنية .

وفي النهاية ، تبقى حقيقة لا مفر منها ، أن الموت لا مفر منه ولا هروب، فجميعنا في المنتهى سنموت، لكن الذين عاشوا حقًا هم من جمعوا بين بصيرة العقل وبهجة الروح . 

هؤلاء وحدهم يعرفون أن السعادة ليست وجهة نصل إليها، بقدر ما هي طريقة نسلك بها الطريق .

ولعل أعظم الاعترافات أن نعترف بأن العيش فنٌّ لا يُتقنه إلا من أدرك أن الحياة قصيرة جدًا لأن تُعاش بنصف روح، وأطول من أن تُختزل في مكان أو إطار .