تُمثّل مسيرة الدكتور جلال حسين أحمد نموذجًا مشرفًا للعطاء التربوي والأكاديمي المتواصل، وللإخلاص في أداء الرسالة التعليمية، التي امتدت لعقود من الزمن، وتنوّعت محطاتها بين التدريس والتوجيه التربوي والعمل النقابي والمساهمة المجتمعية الطوعية، وصولًا إلى العمل الأكاديمي في عدد من الجامعات اليمنية.
إنها مسيرة حافلة بالجد والاجتهاد، بدأت مبكرًا، واستمرت بثبات وعزيمة، لتجسّد قيمة العلم والتعليم، وأهمية الدور الذي يؤديه المعلم والأكاديمي في بناء الإنسان وخدمة المجتمع.
أولًا: تاريخ التعيين ومكانه
- تاريخ التعيين: 20 نوفمبر 1976م.
- مكان التعيين: المحافظة الثالثة، المديرية الغربية، المركز الثاني، رصد – يافع السفلى.
ثانيًا: المؤهلات العلمية والتفوق الدراسي
بدأ الدكتور جلال حسين أحمد رحلته العلمية في منطقة يرامس، حيث درس المرحلة الابتدائية، وكان طوال سنوات دراسته من الطلاب المتفوقين، إذ كان يحصد المركز الأول أو الثاني باستمرار، في دلالة مبكرة على نبوغه العلمي وحرصه على التحصيل المعرفي.
ثم انتقل إلى مدينة زنجبار لدراسة المرحلة الإعدادية، وظل من أوائل الطلاب، وحقق المركز الأول في الامتحان التجريبي للصف الثالث الإعدادي على مستوى الشعب الخمس.
وواصل تفوقه في المرحلة الثانوية بمدينة زنجبار، ليؤكد أن الاجتهاد والمثابرة كانا سمتين بارزتين في مسيرته التعليمية منذ بداياتها.
وفي العامين الدراسيين 1986–1988م، التحق بكلية التربية زنجبار، قسم اللغة الإنجليزية، لدراسة الدبلوم، وتمكّن من الحصول على المركز الأول، تقديرًا لتفوقه الأكاديمي. وقد جرى تكريمه في احتفالات عيد العلم التي أُقيمت بقاعة فلسطين للمؤتمرات في عدن، على يد الرفيق علي سالم البيض، الأمين العام للحزب آنذاك.
ولم يتوقف طموحه عند هذا الإنجاز، بل استكمل دراسته الجامعية في مرحلة البكالوريوس خلال العامين الدراسيين 1995–1997م، محققًا المركز الأول مرة أخرى، ونال التكريم في قاعة فلسطين على يد الرئيس السابق علي عبدالله صالح.
كما واصل مسيرته العلمية باستكمال دراساته العليا، وحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في جمهورية الهند الصديقة، ليعزز بذلك رصيده العلمي والأكاديمي، ويمهّد لمواصلة عطائه في ميدان التعليم الجامعي.
ثالثًا: المهام التربوية والتعليمية
تنقّل الدكتور جلال حسين أحمد بين عدد من المديريات والمؤسسات التعليمية، مؤديًا رسالته التربوية في مراحل مختلفة، ويمكن استعراض أبرز محطات عمله على النحو الآتي:
- 1976–1978م: عمل مدرسًا في يافع السفلى – رصد، بمدرستي الصفأة والخربة في مركز السعدي.
- 1982–1990م: عمل في مجال التدريس بمديرية لودر.
- 1990–1997م: انتقل إلى التدريس في مديرية خنفر، ثم عمل موجهًا تربويًا لمادة اللغة الإنجليزية في مكتب التربية بخنفر، لمدارس دائرة زنجبار.
- 1994–1997م: تولّى منصب الأمين العام لنقابة المعلمين اليمنيين في محافظة أبين.
- منذ عام 1997م وحتى اليوم: عمل محاضرًا في جامعات عدن وأبين وجامعة العادل الأهلية، مواصلًا أداء رسالته الأكاديمية ونقل خبراته العلمية والتربوية إلى الأجيال المتعاقبة.
وتكشف هذه المحطات عن تنوّع خبراته المهنية، وانتقاله من ميدان التدريس المباشر إلى التوجيه التربوي والعمل النقابي، ثم إلى رحاب التعليم الجامعي، بما يعكس امتداد تجربته وثراءها.
رابعًا: المساهمات المجتمعية الطوعية في محو الأمية وتعليم الكبار
لم يقتصر عطاء الدكتور جلال حسين أحمد على الوظيفة الرسمية، بل امتد إلى العمل المجتمعي الطوعي، انطلاقًا من إيمانه بأهمية التعليم في حياة الأفراد والمجتمعات، وضرورة إتاحة فرص التعلم لمن لم يتمكنوا من الالتحاق بالتعليم النظامي.
ومن أبرز إسهاماته في هذا المجال:
- منذ عام 1974م: أسهم في التدريس بصفوف محو الأمية وتعليم الكبار في منطقة يرامس.
- عام 1975م: قام بتدريس محو الأمية لجنود مدرسة الشهيد الرائد عمر علي التابعة للمليشيا الشعبية، خلال الإجازة الصيفية في عدن.
- 1976–1978م: شارك في تدريس الرجال والنساء ضمن برامج محو الأمية في مدرسة الصفأة والزغرور بمكتب كلد في يافع السفلى، كما أسهم في تعليم الرجال والنساء في مناطق الحاجب وظفر وفلسان بمكتب السعدي في يافع السفلى.
- عام 1984م: شارك في الحملة الوطنية الشاملة لمحو الأمية وتعليم الكبار، من خلال تدريس جنود اللواء 20 مشاة، الذي كان مرابطًا حينها في مديرية لودر، إلى جانب تدريسه النساء الأميات في منطقة الحضن بالمديرية نفسها.
وتؤكد هذه المبادرات أن رسالته التعليمية لم تكن مجرد وظيفة يؤديها، بل كانت التزامًا إنسانيًا ومجتمعيًا، حمله معه إلى القرى والمناطق المختلفة، مؤمنًا بأن العلم حق للجميع، وأن محو الأمية وتعليم الكبار من الركائز الأساسية للتنمية المجتمعية.
خامسًا: الواجبات العسكرية
إلى جانب مهامه التربوية والتعليمية، أدّى الدكتور جلال حسين أحمد عددًا من الواجبات العسكرية والوطنية، تمثلت في الآتي:
- أدّى الخدمة الوطنية والعسكرية في جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية سابقًا، لمدة سنتين وثلاثة أشهر.
- أدّى واجب الاحتياط العام لمدة 40 يومًا في اللواء 14 مشاة، الذي كان مرابطًا حينها في مكيراس، عام 1984م.
- كان عنصرًا في المليشيا الطلابية في إعدادية زنجبار وثانوية زنجبار.
وتمثل هذه المحطات جانبًا آخر من مسيرته، بما حملته من التزامات وطنية وعسكرية إلى جانب واجباته التربوية والتعليمية.
سادسًا: المناصب والترقيات
صفر على اليمين.
عبارة موجزة، لكنها تحمل في طياتها دلالة تستحق التأمل؛ فبعد هذه السنوات الطويلة من العمل والعطاء، وما تخللها من مهام تربوية وتعليمية وأكاديمية ومجتمعية، يظل سجل المناصب والترقيات، وفق ما أورده صاحب المسيرة، خاليًا من الترقيات التي يمكن الإشارة إليها.
سابعًا: التكريم والتحفيز
صفر على الشمال.
أما التكريم والتحفيز، فعلى الرغم من حصوله في مراحل دراسته على تكريمات تقديرًا لتفوقه العلمي، فإن هذه العبارة تأتي في سياق ما أورده صاحب المسيرة بشأن التكريم والتحفيز المرتبطين بسنوات عطائه المهني الطويلة.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف عندها: مسيرة مهنية ممتدة، وخبرات تراكمية متنوعة، وعطاء تعليمي وأكاديمي متواصل، في مقابل ما يصفه صاحب المسيرة بغياب التكريم والتحفيز المهنيين اللذين يتناسبان مع سنوات الخدمة وحجم الجهد المبذول.
فالتكريم الحقيقي لا ينبغي أن يكون مجرد مناسبة عابرة، بل ثقافة مؤسسية تعترف بالجهود المخلصة، وتقدّر الكفاءات، وتنصف أصحاب الخبرات، وتحفّز الأجيال على مواصلة العطاء.
ثامنًا: قلم لم يتوقف عن الكتابة والعطاء
لعلّ أجمل ما في مسيرة الدكتور جلال حسين أحمد أن رحلته لم تتوقف عند حدود سنوات الخدمة أو محطات العمل المختلفة، بل ما زال حتى اليوم ممسكًا بالقلم والكتاب المقدس، بكل فخر واعتزاز وشموخ، مواصلًا أداء رسالته العلمية والأكاديمية.
إن استمرار الأستاذ في العطاء بعد عقود من العمل ليس مجرد امتداد زمني لمسيرة مهنية، بل هو تعبير عن رسالة آمن بها، وقيمة تربوية ظل متمسكًا بها، وقناعة راسخة بأن العلم لا تحدّه سنوات الخدمة، وأن المعلم الحقيقي يظل معلمًا ما دام قادرًا على العطاء.
ختامًا
إن الحديث عن الدكتور جلال حسين أحمد هو حديث عن خمسين عامًا من العطاء التربوي والأكاديمي المتواصل، وعن تجربة مهنية بدأت من مدارس يافع السفلى، مرورًا بمديريات أبين ومؤسساتها التربوية، وصولًا إلى الجامعات اليمنية، دون إغفال إسهاماته المجتمعية في محو الأمية وتعليم الكبار.
وهي مسيرة تستحق التوثيق والتأمل، ليس لمجرد استعراض محطاتها، بل لما تحمله من دلالات حول قيمة الإخلاص للمهنة، وأهمية الاجتهاد العلمي، وضرورة إنصاف الكفاءات التربوية والأكاديمية وتقدير جهودها.
فالأوطان لا تُبنى بالإنجازات المادية وحدها، وإنما تُبنى كذلك بسواعد المعلمين، وعقول الأكاديميين، وجهود المخلصين الذين يزرعون المعرفة في الأجيال، ويواصلون أداء رسالتهم بصمت وثبات.
تحية تقدير واعتزاز للدكتور جلال حسين أحمد، ولكل معلم وأكاديمي جعل من العلم رسالة، ومن التعليم مسيرة حياة، ومن خدمة المجتمع عهدًا لا ينقطع.
والسلام ختام.