أخبار محلية

السعودية والحوثيون.. كيف صنعت الرياض خصمها الأخطر في اليمن؟

صحيفة المرصد- اخبار 18/10/2026 08:24 373 مشاهدة
السعودية والحوثيون.. كيف صنعت الرياض خصمها الأخطر في اليمن؟

بقلم:صالح ابوعوذل

قدم الكاتب السعودي عبدالرحمن الراشد، في أحدث مقالة نشرتها صحيفة الشرق الأوسط السعودية، جملة من الاعترافات التي يمكن وضعها في إطار الاعتراف السعودي بخطيئة التعامل مع الحوثيين. قال سعوديون ويمنيون كثر إن الراشد أجاب عن سؤال كبير وعريض حول ما يمكن وصفه بالانقلاب السعودي على كل التفاهمات مع جماعة الحوثيين في صنعاء.

كنت أتفهم فرضية التعامل السعودي مع الحوثيين لاعتبارات «مذهبية»، أكثر من كونهم امتدادا لنظام المملكة المتوكلية اليمنية السابقة، التي أطاحت بها ثورة يمنية دعمتها مصر في عهد جمال عبدالناصر. وأكثر ما يمكن أن يعزز هذه الفرضية هو تلك الإشارات التي كان يبعثها الراشد، ويصور فيها الصراع في اليمن على أنه «صراع العقدة من عبدالناصر».

حاول الراشد تقديم مبررات للحرب السعودية الجارية ضد الحوثيين، لاعتبارات سأحاول تفكيكها تباعا، ولكن كان من المهم طرح سؤال أكثر جدلية، طالما أن السعودية تعلم أن الحوثيين يتحصلون على دعم إيراني منذ أن كانت الجماعة تقاتل في صعدة، لماذا لم تسع لمحاربتهم لماذا لم تمنع دخولهم إلى صنعاء مركز الدولة اليمنية؟.

حافظت السعودية لربع قرن من الصراع مع الحوثيين على شعرة معاوية؛ تارة تحاربهم، وأخرى تمد لهم الدعم المالي والدواء. بل إنها أنشأت أكبر مشفى في صعدة منذ نحو ربع قرن، ولا يزال يعمل حتى الساعة بتمويل سعودي. لكنها حاربتهم في أكثر من فترة، ولم تتأخر في استخدام الورقة المذهبية فيما عُرف بحروب دماج بين السلفيين والحوثيين، وهي الحروب التي اندلعت على أساس مذهبي.

قصة سقوط صنعاء في قبضة الحوثيين لم تبدأ ليلة 21 سبتمبر 2014م، بل منذ 11 فبراير 2011م. زرت صنعاء لاحقا في العام 2014، قبيل سقوط العاصمة اليمنية، وكتبت عن تلك الزيارة، وربما أجبت عن سؤال من أدخل الحوثيين إلى صنعاء؟.

لكن قبل ذلك، هناك سؤال يبدو لي موضوعيا للغاية: لماذا لم تعمل السعودية مع الرئيس الراحل علي عبدالله صالح للقضاء على جماعة الحوثيين، طالما أنها جماعة على ارتباط بإيران؟ وهناك سؤال آخر يطرح على السعوديين: لماذا ناصبت الرياض العداء لصالح، خاصة بعد استعراض ميدان السبعين في 22 مايو 2002م، وتحالفت مع الإخوان المسلمين، مع أنهم جماعة إرهابية مثلها مثل أي جماعة متطرفة؟.

أخلاقيا، لا يمكن لدولة أو نظام سياسي أن يدعم جماعة مسلحة ويتحالف معها في مواجهة جماعة مسلحة أخرى. السعودية لم تتعامل مع اليمن كدولة في مواجهة الجماعات المسلحة، بل إن النظام اليمني اضطر إلى خلق تحالفات مع جماعات متطرفة كالإخوان والقاعدة. حتى إن علي عبدالله صالح أخذ عبدالمجيد الزنداني إلى مكة لأداء العمرة، رغم أن الولايات المتحدة وضعته على قوائم الإرهاب ورفض صالح تسليمه، وما كان لصالح أن يفعل ذلك لولا وجود دعم سعودي للزنداني والإخوان المسلمين.

حين يقول عبدالرحمن الراشد إن الحوثيين جماعة في صراع مع الدولة، فما الدولة التي يتصارع معها الحوثيون؟ دخلوا صنعاء دون أي صراع أو مواجهة حقيقية، بل إنهم وجدوا تسهيلات من كل الأطراف السلطوية الحاكمة: الإخوان وصالح والقبائل. لكن السؤال المتكرر هو: لماذا لم تتعامل السعودية مع اليمن كدولة ونظام جمهوري؟ هل هذه نتيجة عقدة «عبدالناصر»؟ أم أنها كانت تخشى نظام علي عبدالله صالح، ربما لأنه كان عصيا على الإزاحة مقارنة بمن سبقه من الرؤساء اليمنيين، الذين أُزيحوا بانقلابات دموية؟ يقول صالح إن الرياض ومندوبها العسكري في صنعاء، صالح الهديان، هما من فعلتا ذلك، ولم تنف السعودية اتهامات "صالح".

لكن السعودية، طوال تاريخ ممارستها الوصاية على اليمن، كانت تتعامل مع القبائل أكثر من الدولة، بل إن حكومات وقيادات عسكرية كان يجري تغييرها برسالة من الزعيم القبلي الراحل، الإخواني عبدالله بن حسين الأحمر، حليف السعودية الأوحد، قبل أن يخلفه علي محسن الأحمر كحليف عسكري زيدي.

لم يقل الراشد ما مشكلة السعودية مع الحوثيين. هل هي مع جماعة تريد موارد الدولة وخدمة إيران؟ وهل لدى السعودية اليوم مشكلة مع النظام الإيراني، في ظل العلاقة بين الرياض وطهران التي تمر بأفضل مراحلها، والتبادل الدبلوماسي والسياسي والإعلامي على أعلى مستوى؟ وهناك اتفاق حديث رعته الصين بين البلدين. بل إن السعودية، ونتيجة لرغبتها في الحفاظ على العلاقة مع إيران، لم ترد على القصف الإيراني الذي طال منشآت اقتصادية سعودية وألحق أضرارا بالبنية التحتية والاقتصادية السعودية.

حاول الراشد القفز على الذاكرة اليمنية، بالحديث عن أحداث العام 2013م وما تلاها في صنعاء، من دخول الحوثيين مؤتمر الحوار إلى الوصول للسلطة عبر اتفاق السلم والشراكة الذي هندسته السعودية. هو يرى في الحوثيين مشكلة سعودية، لكن صعود الجماعة مسؤولية يمنية داخلية. وحتى إن كان الأمر كذلك، فإن جماعة الإخوان كانت أداة سعودية في كل ما كان يجري، إلى درجة أن الجماعة أوقفت 40 ألف مقاتل كانت تعدهم لمواجهة الحوثيين، وتم تحييد قوات الفرقة الأولى مدرع، وهروب قائدها علي محسن الأحمر صوب السفارة السعودية، وتسليم صنعاء، العاصمة اليمنية التي يصفها الراشد اليوم بعاصمة الحوثيين.

أكثر ما يثير السخرية في مقالة الراشد حديثه عن أن جماعة الحوثي تنتظر أن تصبح الدولة. كيف جرى التعامل مع جماعة الحوثيين خلال عقد ونصف؟ كيف تحاورت معهم السعودية ووقعت معهم اتفاقية ظهران الجنوب 2016م؟ هل كان ذلك بصفتهم جماعة أم بصفتهم سلطة أمر واقع تفرض سيطرتها على عاصمة البلاد بالحديد؟

أما الحديث عن تحالف الرئيس السابق مع الحوثيين، فهذه واحدة من المغالطات الفجة. لم يحدث أي تحالف، بل سيطر الحوثيون على كل شيء، وما كانوا بحاجة إلى الخصم القديم للتحالف معه. ما حصل هو تحالف من طرف صالح، وجاء كردة فعل على قصف السعودية لمنزله في العاصمة اليمنية. أي إن السعودية هي التي دفعته إلى التحالف مع الحوثيين، لكن الرجل كان يخطط لإزاحة الحوثيين واستعادة السلطة التي سلبها منه الإخوان المسلمون بدعم سعودي وقطري واضح، لكن صالح لم يحصل على الدعم الكافي لفعل ذلك وقتل في محاولته الأخيرة لإخراج الحوثيين من صنعاء في اواخر العام 2017م.

لم يقل عبدالرحمن الراشد إن مشكلة السعودية مع الحوثيين «مذهبية»، ولا إن لهم علاقة بإيران، مع أن الإعلام السعودي يسوق أن الخلاف مذهبي، وأن الحوثيين «شيعة موالون لإيران». ولم يقل إنها جماعة مؤدلجة ترفض التحول إلى دولة. فلو قبل الحوثيون أن يصبحوا دولة «برعاية سعودية»، لما كانت هناك مشكلة للرياض في ذلك. هكذا قال الراشد عقب الحرب السعودية على الجنوب في يناير الماضي.

يمارس الراشد نوعا من العتاب للحوثيين؛ يقول إنه كان بإمكانهم أن يصبحوا نسخة من حزب الله. والمقارنة بين داعش وحزب الله والحوثيين، مع اختلاف العقائد، تقوم على أن داعش، بوصفها حالة متقدمة، ترفض الدولة القائمة وتسعى إلى إقامة دولة خلافة تتجاوز الحدود. أما حزب الله، فيقول الراشد إنه خلق نموذجا يجمع بين المشاركة في مؤسسات الدولة والاحتفاظ بقوة مسلحة مستقلة.

وهنا أثار فضولي الصحفي سؤال: كيف تمارس بعض الدول سياسة تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في علاقتها بجيرانها؟ الفرق، ربما، أن هذه الدول تفكر في مصلحتها الاقتصادية الذاتية، ولا تفكر في مصالح الآخرين. أي إن الفرق بين داعش، التنظيم العابر للحدود، ودولة تمارس الوصاية بالخطاب ذاته، والفكر ذاته، والمنابر والخطب والمصطلحات ذاتها، هو أن الأخيرة تلقي الاتهامات على الشعوب التي ترفض الوصاية الخارجية.

بودي أن أسدي نصيحة للراشد: قبل أن تقدم داعش نموذجا للحكم والخلافة العابرة للحدود، تذكر حرب الخشعة. هل أبو بكر البغدادي هو من شن تلك الحرب أم خالد بن سلمان؟ لا أريدك أن تقارن بين بن سلمان والبغدادي على الإطلاق، ولكن تقديم الفتاوى وتحريض المتطرفين على القتال تارة باسم الدفاع عن المركز القانوني للدولة اليمنية، وأخرى باسم محاربة الوجود الإسرائيلي في جنوب شبه الجزيرة العربية، يطرح أسئلة لا يمكن تجاهلها. فلا إسرائيل موجودة في الخشعة، ولا هي موجودة في العراق، ولا حضرموت «نينوى»، ولا المهرة «الأنبار»، ولا الضالع «ديالى».

لكن هناك قواسم مشتركة: حرب على أساس ديني، بفتاوى دينية وخطب ومنابر، جُيّشت كلها لحرب عدوانية على شعب مسلم يريد انتزاع حقه في السيادة على أرضه. هل أخطأ السعوديون في تلك الحرب؟ هم لا يرونها خطيئة. يقول الراشد نفسه إن الجنوب حق لليمنيين والسعوديين فقط، ولا يحق لأحد الشراكة في الجنوب، لأنه حق لليمنيين والسعوديين.

الحوثي صنيعة سعودية، ليس لأن السعودية غضت الطرف عن الجماعة في حروبها وتمددها وتوسعها فحسب، بل يمكن الاستدلال بشيء قد يبدو للبعض طريفا، لكنه يعبر عن مفارقة سياسية: اعتبرت السعودية قاعدة الخشعة العسكرية «مركزا قانونيا للدولة اليمنية» المتواجدة في أحد فنادق الرياض ذات النجمة الواحدة، في حين كانت صنعاء، العاصمة، هي المكان الذي شرعنت فيه السعودية سلطة الحوثيين باتفاق السلم والشراكة سبتمبر 2014م.

الحوثي اليوم ليس بحاجة إلى «إغراء سعودي». فهو اليوم يقف في موقف قد يبدو لكثير من اليمنيين موقفا أخلاقيا، وهو رفض الوصاية السعودية. لماذا تمارس هذه الدولة الجارة الوصاية على اليمن؟ ولماذا تصر الرياض على أن يظل اليمن محتاجا إليها، وتتدخل في قراره ومصيره ومستقبله؟.

قصة الحوثي اليوم أنه لا يريد أن يكون دولة برعاية سعودية. ربما يشعر بأنه أصبح أكبر من الوصاية السعودية، وعصيا على الكسر، لأن لديه تحالفات يعلمها السعوديون جيدا، وهي أكبر من العلاقة بإيران وأوسع منها.

لكن الراشد كمن يخدع نفسه؛ فهو يقول إن الحوثي وكيل إيراني آخر، في حين أن هناك أكثر من ثقل إقليمي ودولي يقف إلى جانب الحوثيين، بما في ذلك سلطنة عمان، إذا ما اقتنعنا بما يطرحه بعض اليمنيين والسعوديين من أن مسقط حليف للحوثيين.

ربما وصل السعوديون اليوم إلى قناعة كبيرة بأن الحوثي ليس إمامة عائدة إلى اليمن، وأن المملكة المتوكلية لن تعود، وأن الحوثي ليس إلا جماعة يمنية ذات تحالفات إقليمية ودولية واسعة، وأن الهدف هو إخراج السعودية من المشهد. لذلك، حين يرضخ السعوديون لهذه الجماعة، وهو أمر متوقع، خاصة بعد أن فشلت دعوة رشاد العليمي إلى النفير العام، ورفضت جماعة الإخوان في مأرب وصعدة وميدي الانخراط في عملية فجر اليمن ضد الحوثيين، فعليهم أن يأخذوا في الحسبان أن المشاريع التوسعية، وإن كانت نسخة من إيران أو داعش، ليس لها أي قبول ولن يكون لها قبول.

أما «المركز القانوني» الذي لم يظهر إلا في الخشعة، فسيظل في الذاكرة الجمعية واحدة من المعارك العبثية التي شنها السعوديون بهدف السيطرة على بعض آبار النفط، التي تبين أنها ظلت خاضعة لقوى عسكرية وقبلية ودينية ومتطرفة لأكثر من ثلاثة عقود.

يتبع..

#صالح_أبوعوذل