تأتي كلمة أحمد علي عبدالله صالح نائب رئيس المؤتمر الشعبي التي حملتها تهنئته للشعب بذكرى ثورة 14 اكتوبر، في ظرف عصيب يمر به اليمن، وسط انقسامات سياسية وعسكرية متفاقمة، وتراجع مؤسسات الدولة، وتزايد التحديات التي تهدد حاضر البلاد ومستقبلها.
وفي هذا السياق، تكتسب الكلمة أهميتها من طرحها جملة من القضايا المرتبطة بجوهر الأزمة اليمنية، وفي مقدمتها استعادة الدولة والجمهورية، وتوحيد القرار الوطني، وإنهاء حالة التشرذم التي أضعفت قدرة اليمنيين على مواجهة التحديات. فالمسألة لم تعد مجرد خلافات بين قوى سياسية متنافسة، بل أصبحت مرتبطة بمصير الدولة نفسها، وبقدرة اليمنيين على تجاوز انقساماتهم وبناء مشروع وطني يستوعب الجميع.
وتبرز أهمية الكلمة ـ التهنىة في إعادتها ترتيب الأولويات، واضعةً استعادة الدولة وتوحيد الصف الوطني في مقدمة متطلبات الخروج من الأزمة. فاستمرار تعدد مراكز القرار السياسي والعسكري لا يضعف المؤسسات فحسب، بل يمنح خصوم الدولة فرصة لتوسيع نفوذهم واستثمار الانقسامات الداخلية. ومن هنا، فإن تجاوز حالة التشتت يتطلب الانتقال من إدارة الخلافات إلى معالجة أسبابها، والبحث عن أرضية وطنية مشتركة تتقدم فيها مصلحة البلاد على الحسابات الحزبية والمناطقية.
وفي هذا الإطار، تبرز الدعوة إلى توحيد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تحت قيادة وطنية واحدة باعتبارها إحدى القضايا الأساسية في مسار استعادة الدولة. فوجود تشكيلات عسكرية متعددة، تتباين مرجعياتها وقراراتها، يجعل بناء مؤسسة دفاعية متماسكة أمراً بالغ الصعوبة، ويحد من القدرة على تحقيق الاستقرار. غير أن التوحيد الفاعل لا يتحقق بمجرد جمع التشكيلات تحت مظلة واحدة، بل يحتاج إلى عقيدة وطنية جامعة، وتسلسل قيادي واضح، وخضوع المؤسسة العسكرية والأمنية للقانون، بحيث تكون مهمتها حماية المواطنين وصون السيادة، بعيداً عن الولاءات الضيقة والصراعات السياسية.
ولا يقل أهمية عن ذلك ما تطرحه الكلمة بشأن مراجعة الانتكاسات السابقة والبحث في أسباب الإخفاق. فالمراجعة الجادة ليست انتقاصاً من التضحيات، وإنما تعبير عن احترامها، لأن استمرار الأخطاء يضاعف كلفة الصراع ويبدد الجهود التي بذلها المقاتلون والمواطنون. وتتطلب هذه المراجعة تقييماً موضوعياً للقرارات والتجارب، وتحديد أوجه القصور، والاستعداد لتصحيح المسار بعيداً عن المكابرة أو الاكتفاء بتبرير النتائج بالظروف المحيطة. فالمشروعات الوطنية لا تتقدم بإنكار الإخفاقات، بل بالقدرة على فهمها والاستفادة منها.
ومن هذا المنطلق، تكتسب رعاية أسر الشهداء والجرحى والأسرى والنازحين أهمية تتجاوز الجانب الإنساني المباشر إلى جوهر المسؤولية الوطنية. فهذه الفئات تحملت جانباً كبيراً من أعباء الحرب، ومن واجب أي مشروع يسعى إلى استعادة الدولة أن يجعل حقوقها وكرامتها ضمن أولوياته. ولا يكفي التعبير عن التضامن معها في المناسبات، بل ينبغي أن يقترن ذلك بسياسات واضحة للرعاية والإنصاف، تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه وتحول دون توظيف معاناتهم في التجاذبات السياسية.
أما على صعيد الوحدة الوطنية، فإن التحذير من الخطابات المناطقية والانفصالية يلامس واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد اليمني. فالحفاظ على وحدة البلاد لا يتحقق بتجاهل المظالم أو التقليل من الاختلالات، كما أن معالجة تلك المظالم لا تستلزم تكريس الانقسام أو إقصاء الآخرين. والطريق الأكثر استدامة يتمثل في بناء دولة عادلة تقوم على الشراكة وسيادة القانون، وتضمن توزيعاً منصفاً للسلطة والثروة، وتتيح للمواطنين في مختلف المناطق المشاركة في صنع القرار والشعور بأن حقوقهم مصونة على قدم المساواة.
وفي ما يتعلق بالعلاقات الإقليمية، فإن الدعوة إلى تعزيز التعاون مع المملكة العربية السعودية ودول الجوار تعكس أهمية المحيط العربي والخليجي في مستقبل اليمن وأمنه. غير أن فاعلية هذه العلاقات ترتبط أيضاً بقدرة اليمنيين على بلورة رؤية وطنية واضحة تحدد مصالح بلادهم وأولوياتها، وتستند إلى مؤسسات مستقرة وقرار مسؤول. فالعلاقات الإقليمية تكون أكثر قدرة على دعم الاستقرار حين تقوم على شراكة واضحة، وتتكامل مع مشروع وطني يعزز سيادة اليمن ويحفظ مصالح شعبه.
ويمنح استحضار ثورات سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر وديسمبر الكلمة امتداداً تاريخياً يتجاوز المناسبة الوطنية إلى ما تحمله تلك المحطات من معانٍ مرتبطة بالتحرر والتغيير وبناء الدولة. لكن استحضار التاريخ لا يكتسب قيمته بمجرد استعادة رموزه وشعاراته، بل بمدى القدرة على الاستفادة من دروسه وتحويل تطلعاته إلى استجابات عملية لتحديات الحاضر. فالمطلوب هو أن تكون الذاكرة الوطنية عاملاً جامعاً يعزز المسؤولية المشتركة، لا مناسبة إضافية لتجديد الانقسامات أو استدعاء الخلافات.
ومع أهمية هذه الأولويات، يبقى المعيار الأساسي لتقييم أي خطاب سياسي هو مدى قابليته للتحول إلى برنامج عمل واضح. فاستعادة الدولة تتطلب توافقاً وطنياً جاداً، ومؤسسات قادرة على أداء وظائفها، وإجراءات ملموسة تعيد بناء الثقة بين المواطنين والسلطة. كما تحتاج إلى تقديم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة، وربط الوعود السياسية بنتائج يمكن قياسها في حياة الناس، من الأمن والاستقرار إلى الحقوق والخدمات والعدالة.
في المحصلة، تضع كلمة أحمد علي عبدالله صالح نائب رئيس المؤتمر الشعبي العام استعادة الدولة وتوحيد الصف الوطني ضمن أبرز أولويات الخروج من الأزمة اليمنية. غير أن تحويل هذه الأولويات إلى واقع يظل رهناً بقدرة القوى الوطنية على تجاوز خلافاتها، وتصحيح أخطائها، والاتفاق على مشروع جامع يجعل الدولة مرجعية للجميع، والقانون أساساً للحكم، والعدالة شرطاً للاستقرار. فخريطة الخروج من الأزمة لا تكتمل بوضوح الرؤية وحده، بل تبدأ فعلياً حين تتحول الرؤية إلى قرارات ومسؤوليات وخطوات قابلة للتنفيذ.