في تطور غير مسبوق يعكس تحولًا في طبيعة التهديدات التي تواجه القواعد العسكرية الغربية، أعادت الولايات المتحدة جميع قاذفاتها بعيدة المدى من طراز بي-1 لانسر وعددها نحو 12 قاذفة تبلغ قيمتها مجتمعة حوالي 4 مليار دولار، من قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني فيرفورد إلى قواعدها الأصلية في الولايات المتحدة، بعد تلقيها تهديداً جديداً وُصف بأنه «حادث واقعي»، وذلك في خضم تحقيق بشأن مخطط إيراني مزعوم لاستهداف القاعدة.
أوامر إقلاع فوري
ورغم أهمية القاعدة البريطانية بالنسبة للجيش الأمريكي، إذ تعد واحدة من أكثر قواعدها التشغيلية تطوراً في أوروبا، فإن ما أثار التساؤلات أكثر هو مدى السرعة التي تم بها نقل القاذفات، لدرجة أن بعضها تلقى أوامر بالإقلاع الفوري في الوقت الذي كانت فيه طائرات التزود بالوقود لا تزال تقلع.
سوابق خطرة
لدى المسؤولين الأمريكيين دليل جاهز على الخطر المحتمل، ومن بين الوقائع، تمكن أوكرانيا من ضرب قواعد جوية في أنحاء روسيا العام الماضي، حيث دمرت ما لا يقل عن 12 قاذفة وطائرات أخرى، باستخدام طائرات مسيّرة هربها عملاء أوكرانيون إلى روسيا في حاويات شحن ضمن مخطط أُطلق عليه «عملية شبكة العنكبوت».
كما قامت إسرائيل بتنسيق هجمات مماثلة من داخل إيران، باستخدام أسراب من الطائرات المسيّرة المسلحة والمتفجرات المخبأة في مركبات عادية، ما ساعد في شل الدفاعات الإيرانية وتمهيد الطريق ل12 يوماً من الضربات الجوية الأمريكية-الإسرائيلية في منتصف عام 2025.
وفي ألمانيا، فقد اخترقت طائرة مسيّرة مفخخة مطار لايبزيغ/هاله في أغسطس، وهو مطار مدني ومركز لحلف الناتو. وألقت ألمانيا باللوم على روسيا وأمرت بإغلاق قنصلية روسية.
تحذير إسرائيلي مسبق
كشفت صحيفة التلغراف أن المخابرات الإسرائيلية حذرت جهاز الأمن الداخلي البريطاني MI5 من هجوم وشيك مدعوم من إيران على القاعدة الجوية، قبل وقت قصير من إعلان وزير الخارجية إد ميليباند خططًا لحظر استيراد البضائع من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.
ما أهمية القاعدة لأمريكا؟
تستضيف قاعدة فيرفورد، الواقعة على حدود مقاطعتي غلوسترشير وويلتشير، بانتظام عمليات نشر طائرات أمريكية بعيدة المدى، بما في ذلك قاذفات بي-1 وبي-52 وطائرات الاستطلاع يو-2، كما تضم مئات من أفراد الجيش الأمريكي.
ومن بين أولى المهام التي انطلقت من فيرفورد، كان إنزال مظليين فوق نورماندي في فرنسا في يوم الإنزال، 6 يونيو 1944. أما أحدثها فقد تضمن شن غارات على إيران. وبحسب الجيش الأمريكي، أقلعت قاذفات ثقيلة أمريكية من القاعدة منذ الأول من مارس/ آذار «في مهام دفاعية لتدمير القدرات الصاروخية الإيرانية».
وفي يوليو/ تموز، حذر الحرس الثوري الإيراني من أن أي قاعدة بريطانية تُستخدم لضرب طهران هي «هدف مشروع»، ووجه تهديدات مبطنة ضد الحكومة البريطانية.
المخاطر الأمنية والاستراتيجية
يكشف هذا التطور عن مخاوف متزايدة لدى الجيش الأمريكي من التهديدات غير التقليدية. فوفقًا لخبراء، يمكن لطائرات مسيّرة منخفضة التكلفة، لا تكلف سوى بضعة آلاف من الدولارات، أن تلحق أضراراً جسيمة بأسطول قاذفات بعيدة المدى تبلغ قيمته 3.8 مليارات دولار.
وقال روبرت تولاست، زميل أبحاث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة: «أعتقد أن الأمريكيين تصرفوا بدافع من الحذر الشديد أو تحمل منخفض جداً للمخاطر إزاء ما سيكون حدثاً بالغ التأثير. حتى لو كان شيئاً بدائياً حقاً، مثل قنبلة حارقة يستطيعون بطريقة ما إشعالها على طائرة مسيّرة».
التداعيات العملياتية والاستراتيجية
حتى لو لم يقع هجوم فعلي، فإن سحب القاذفات قد يقلل معدل الضربات المحتملة على إيران، حيث من المفترض أن تطلق حالياً من داكوتا الجنوبية إلى أهداف في إيران والبتالي تحتاج إلى وقت ووقود أكبر بكثير من تلك التي تنطلق من منطقة كوتسوولدز في إنجلترا، الأقرب بنحو 3900 ميل إلى طهران.
ويُبرز الحادث معضلة أكبر تواجه حلف الناتون بشأن كيف يحمي البنية التحتية العسكرية الثابتة والكبيرة من هجمات الطائرات المسيّرة، وهو أمر لاتزال دول حلف شمال الأطلسي تتصارع معه بشأن، والبحث عن أفضل السبل لمواجهته.
ردود الفعل الرسمية
وبشأن الموقف الأمريكي، فقد قلّل وزير الخارجية ماركو روبيو من أهمية سحب القاذفات، قائلًا إنه لن «يربط بشكل مباشر» إعادة نشر الطائرات بالمؤامرة المزعومة. وأضاف للصحفيين في قاعدة أندروز المشتركة: «السبب الوحيد الذي يجعلكم تركزون على عدد الطائرات الموجودة في فيرفورد هو التهديد الذي حدث الأسبوع الماضي. لكن ليس من غير المألوف رؤية عمليات تناوب ونقل للأصول إلى أجزاء مختلفة من العالم بناءً على التدريبات وإعادة الانتشار وتغيير الأفراد ودخول أفراد جدد ودخول طائرات جديدة وخروج طائرات قديمة».
أما في بريطانيا، فقد صرح متحدث باسم داونينج ستريت أن الحكومة البريطانية لن تعلق على العمليات العسكرية للدول الأجنبية. ورداً على سؤال حول مخاوف السكان القاطنين بالقرب من القاعدة بشأن السلامة، قال المتحدث إن المملكة المتحدة لديها «أساليب مجربة ومختبرة للدفاع عن قواعدها في جميع أنحاء البلاد، بل وفي جميع أنحاء العالم». كما امتنعت وزارة الدفاع البريطانية عن التعليق على عمليات أو قدرات الدول الأخرى.
اتهامات لإيران
قال رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام الأسبوع الماضي إن هناك «مؤشرات قوية» على تورط إيران في الحادث. وقال ل"بي بي سي" في 30 سبتمبر: «سنقول المزيد في الوقت المناسب، لكننا نستطيع أن نؤكد اعتقادنا بأن إيران لعبت دورًا في ذلك».
ونفت إيران أي تورط لها في الحادث، ووصفت الاتهامات بأنها «لا أساس لها من الصحة»، واستدعت السفير البريطاني في طهران احتجاجاً. وخلال الاجتماع، أفادت التقارير بأن نائب وزير الخارجية الإيراني، مجيد تخت روانجي، حثّ لندن على مراجعة ما وصفه ب«نهجها غير اللائق» تجاه طهران.
انتقادات بريطانية داخلية
قال أندرو غريفيث، وزير المالية في حكومة الظل، لإذاعة تايمز: «لا أعتقد أن خبر سحب القاذفات يجعل أي شخص في المملكة المتحدة أكثر أماناً. والولايات المتحدة هي أقوى حليف لنا في مجال الدفاع، فنحن نتشارك الموارد معها، وننتمي بشكل عام إلى مظلتها، على الرغم من أن الدفاع عنها بالطبع مسؤولية حكومتها الخاصة». وأضاف: «من المقلق حقاً أن الولايات المتحدة لا تشعر بأنها قادرة على حماية حتى واحدة من أكثر قواعدها التشغيلية تطورًا في أوروبا في هذا الوقت».
المعلومات الضبابية
لم يكشف البنتاغون عن طبيعة التهديد الذي دفع إلى سحب القاذفات، وما إذا كان محدداً أم عاماً. كما لم يتضح كم من الوقت ستبقى قاذفات B-1 بعيدة عن قاعدة استخدمتها الولايات المتحدة لعقود، كما لم يُعرف دور المشتبه به الأول في الهجوم الذي جرى إحباطه قرب القاعدة، ولماذا اتصل أحد المشتبه بهم بخط الطوارئ، وما إذا كان قد تخلى عن المخطط في اللحظة الأخيرة.
كما لم يتضح بعد ما إذا كانت واشنطن على يقين من تورط إيراني، وأنها ستخطط لضربات انتقامية، أم أن سحب القاذفات كان مجرد إجراء احترازي؟
إضافة إلى ذلك، فإن مستقبل القاعدة لم يتم الكشف عنه، وهل سيؤدي هذا الحادث إلى تقليص الوجود الأمريكي في فيرفورد، أم سيعزز التعاون الأمني بين البلدين لمواجهة التهديدات المشتركة؟
الجدول الزمني للهجوم
في فجر 27 سبتمبر 2026، تلقت الشرطة البريطانية بلاغاً عن ثلاث مركبات مشبوهة بدت متجهة نحو قاعدة فيرفورد. وفي وقت لاحق من اليوم نفسه، اعتُقل خمسة مواطنين بريطانيين، جميعهم في منتصف العشرينيات ومن منطقة لندن، للاشتباه في ارتكاب جرائم إرهابية وجرائم تتعلق بالمتفجرات.
ولم تُعثر على متفجرات في الشاحنات البيضاء الثلاث، لكن السلطات استعادت براميل أو حاويات تحتوي على بنزين، ما أثار احتمال وجود مخطط لإضرام النار في المركبات.
وبحسب الشرطة البريطانية، فإن أحد المعتقلين الخمسة هو من نبّه السلطات عبر خط الطوارئ في الساعة 12:45 صباحاً، أي قبل نحو ساعة من ورود اتصال ثانٍ من مواطن محلي صادف الرجال والمركبات. ولا يزال المحققون يبحثون فيما إذا كان هذا المشتبه به لم يُطلع بالكامل على المخطط واتصل بعد إدراكه أنه ورفاقه يقتربون من مجمع عسكري بريطاني.
وأُفرج عن الخمسة بكفالة في اليوم التالي، وهو قرار انتقده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قائلًا: «لم أكن لأفعل ذلك». كما قال وزير الخارجية ماركو روبيو إن «أيدي طرف أجنبي» متورطة في المؤامرة المزعومة.
وفي الخميس 1 أكتوبر، جرى إلقاء القبض على رجل بريطاني إيراني مزدوج الجنسية يبلغ من العمر 25 عاماً، للاشتباه في قيامه بالتحضير لأعمال إرهابية تتعلق بالمؤامرة. وقد أُفرج عنه بكفالة لاحقاً.