كشفت التطورات الأخيرة عن تعمّق الاتصالات والتنسيق بين مليشيا الحوثي وفصائل عراقية لتنفيذ هجمات على الأراضي السعودية، ولا سيما استهداف منشآت النفط.
وفي الوقت ذاته، هناك تعمّق آخر في الضفة المقابلة للبحر الأحمر، وبالتوازي مع الساحل اليمني الذي سيطرت عليه المليشيا خلال سبتمبر، وتحديداً مع حركة الشباب الصومالية المصنفة على قوائم الإرهاب.
وهذا التنسيق الأخير ليس وليد اللحظة، إذ سبق أن أشارت إليه عدة أبحاث، فضلاً عن تقارير أممية، من بينها تقرير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن بشأن اليمن.
وحسب صحيفة فايننشال تايمز، حذّر مسؤولون أميركيون من أن العلاقات بين الحوثيين و«الشباب» أصبحت أكثر عمقاً، وتشمل، بحسب التقرير، بيع الأسلحة، وتدريب المقاتلين على المسيّرات والمتفجرات، واتصالات ميدانية متكررة.
ونقل التقرير عن الخبير في الشأن الصومالي "مات برايدن" أن ما يصل إلى 1,500 مقاتل صومالي من حركة الشباب وفصائل صومالية أخرى تلقوا تدريباً لدى الحوثيين في اليمن.
كما قال إن مبعوثين حوثيين صاروا يزورون معقل «الشباب» في "جليب" بصورة متكررة وهي بلدة في جنوب الصومال تُعد منذ سنوات معقلاً مهماً لحركة الشباب، وتستخدمها الحركة كمركز إداري وعسكري ولوجستي.
وفي بداية سبتمبر، أكدت القوات التابعة لطارق صالح العثور على جثث مقاتلين من حركة الشباب بين قتلى الحوثيين على الساحل الغربي، مشيرة إلى أن هوياتهم عُرفت من خلال الوثائق والمقتنيات التي عُثر عليها بحوزتهم.
كما كشف تقرير نشرته صحيفة "الصومال اليوم" عن وسطاء صوماليين ساعدوا في بناء العلاقة، مشيراً إلى أن هذه العلاقة تطورت من اتصالات وشراء أسلحة إلى التدريب ونقل الخبرات العسكرية عبر خليج عدن.
وأفادت التقارير بأن «حركة الشباب» بدأت التواصل مع الحوثيين في عام 2024 للحصول على أسلحة مضادة للطائرات ومسيّرات، وأن شبكة التهريب الحوثية توسعت عبر القرن الأفريقي.
توثيق أممي
هذه ليست مجرد تقارير صحفية حديثة، فثمة توثيق مهم لفريق الخبراء التابع لمجلس الأمن بشأن اليمن، والصادر في أكتوبر 2025، حيث أكد وجود هذه العلاقة وحذّر من تداعياتها.
يقول التقرير إن السلطات الصومالية ضبطت شحنات أسلحة ومتفجرات كانت متجهة من اليمن إلى الصومال، وإن مصادر رسمية تحدثت عن التحقيق مع نحو 70 صومالياً مرتبطين بـ«الشباب»، للاشتباه في مشاركتهم في تهريب الأسلحة من الحوثيين إلى الصومال.
كما ذكر التقرير أن مصادر سرية أكدت تدريب الحوثيين لعناصر من الحركة على تصنيع المتفجرات المتطورة وتقنيات المسيّرات، وأن الحركة كانت تسعى إلى تطوير قدرتها على تنفيذ هجمات باستخدام المسيّرات بمساعدة الحوثيين.
والأكثر إثارة للاهتمام أن التقرير الأممي تحدث عن مهندسين حوثيين سافروا إلى "جليب" في الصومال لتدريب عناصر "الشباب" على تصنيع العبوات الناسفة وتعديل المسيّرات وصيانة الأسلحة.
كما ذكر أن وسيطاً صومالياً ساعد في نقل نحو 400 صومالي إلى مناطق خاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي لتلقي تدريب عسكري وأيديولوجي.
هجمات من الشمال تستهدف النفط السعودي
ومن الشمال الشرقي، تتضافر عدة دلائل على نشوء تحالف آخر بين المليشيا لاستهداف المصالح الحيوية والنفطية للسعودية، خصوصاً مع تكرار الهجمات على أراضي المملكة مؤخرا.
وقبل أيام، كشف ثلاثة مسؤولين عراقيين أن التحقيقات الأمنية الخاصة بالهجوم الذي استهدف خط أنابيب (شرق–غرب) السعودي في العاشر من سبتمبر، تشير إلى وقوف مجموعة مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني ومليشيا الحوثي وراء الهجوم.
ونقلت صحيفة "العربي الجديد" في تقرير لها عن أحد المسؤولين، وهو قائد رفيع في الجيش العراقي، أن التحقيقات توصلت إلى أن الهجوم نفذ من منطقة حدودية في العراق بأكثر من 15 طائرة مسيّرة مفخخة استخدمت في تنفيذ الهجوم في وقت متزامن.
ولفت التقرير إلى وجود تواصل بين فصائل مسلحة في العراق والحوثيين، إلى جانب تقديم تسهيلات للقادمين من إيران لتنفيذ الهجوم.
وفي يوليو الماضي، كانت رويترز قد نشرت تقريراً حصرياً قالت فيه إن تقييمات سعودية وإقليمية خلصت إلى أن الحوثيين نفذوا هجمات على السعودية من الأراضي العراقية بالتنسيق مع جماعات مسلحة عراقية.
وقال عضو ما يسمى المجلس السياسي الأعلى التابع لمليشيا الحوثي، عبد العزيز بن حبتور، إن الحوثيين مستمرون في التنسيق مع جماعات سياسية ومسلحة عراقية عبر قنوات خاصة وربط ذلك بالتنسيق بين أطراف ما يسمى "محور المقاومة".
بدوره، أكد مساعد مدير دائرة التوجيه المعنوي للحوثيين، عابد الثور، إن العمليات العسكرية التي تنطلق من اليمن أو العراق تكون منسقة، إلا إذا قررت فصائل معينة العمل بصورة مستقلة، حسب تعبيره.
كما تحدث عن استمرار التنسيق والعمليات المشتركة بين أطراف ما يسمى "محور المقاومة".
ونقلت تقارير سابقة عن مسؤولين وخبراء عراقيين أن الحوثيين وسّعوا وجودهم داخل العراق، وأن لهم مكاتب ومنازل في مناطق جنوبية، وأن بعض عناصرهم يعملون مستشارين تقنيين لدى فصائل عراقية.
وضمن تصريحات تناولت هذا التحالف، عد مراقبون أن الهجمات الأخيرة على السعودية تأتي في إطار اتجاه أوسع نحو تنسيق العمليات بين الجبهات.
الجحيم الذي ينتظر المنطقة
وسط هذه التقارير العديدة التي تؤكد وجود تحالفات وتنسيق بين المليشيات في الشمال والشرق والغرب، تبرز تساؤلات عن الجحيم الذي ينتظر المنطقة في المرحلة المقبلة، وكذلك عن أسباب الصمت الدولي تجاه هذه التحالفات.
الوقائع ليست مجرد سلسلة من الاتصالات المتفرقة بين جماعات مسلحة، ولا مجرد تعاون محدود في السلاح والتهريب.
ما يتكشف تدريجياً هو نمط من العلاقات العابرة للحدود، يمتد من العراق إلى اليمن والقرن الأفريقي، ويجمع بين جماعات مختلفة في الجغرافيا والأهداف، لكنها تلتقي عند القدرة على تبادل الخبرات والسلاح وفتح ممرات جديدة للتهريب والضغط على خطوط الملاحة ومصالح الطاقة العالمية.
واللافت أن رد الفعل الدولي ما زال، في جانب كبير منه، محصوراً في التحذير والتعبير عن القلق، بينما تتحرك هذه الشبكات على الأرض بوتيرة مختلفة.
فقد وصف متحدث باسم القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) تنامي العلاقة بين الحوثيين وحركة الشباب بأنه "تهديد مقلق للغاية"، محذراً من أن ربط القدرات العملياتية بين الجماعتين قد يوسع نفوذ «الشباب» في القرن الأفريقي، وفي المقابل يمنح الحوثيين قدرة أكبر على تهديد الممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر وغرب المحيط الهندي.
وقال المبعوث الأميركي السابق إلى اليمن تيم ليندركينغ إن العلاقة بين الجماعتين بدأت تتبلور منذ عام 2024، مع انتقالها إلى التدريب ونقل الأسلحة والبحث في كيفية توسيع نطاق التعاون وممارسة مزيد من الضغط على مضيق باب المندب.
وفي الاتجاه نفسه، حذرت وزيرة الخارجية اليمنية أفراح عبد العزيز الزوبة من تشكل ما وصفته بـ "محور إرهابي جديد" يمتد بين اليمن والقرن الأفريقي، ودعت المجتمع الدولي إلى التعامل معه بحزم.
وطرحت الوزيرة في مقال لها نشرته صحيفة التلغراف البريطانية جملة من الإجراءات تبدأ بدعم الجيش وخفر السواحل اليمنيين، وتعزيز الربط الاستخباراتي بين جانبي البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ورفع قدرات القوات البحرية على مراقبة السواحل واعتراض عمليات التهريب، وصولاً إلى ملاحقة شبكات التمويل وتبادل السلاح والخبرات.
وفي هذه الأثناء، هل يمكن أن يستمر الصمت الدولي إلى ما لا نهاية، بينما تتوسع هذه التحالفات وتقترب من نقطة اللاعودة؟
ربما تتبلور الاتصالات المكثفة التي تجريها السعودية خلال الأيام الماضية في عملية عسكرية واسعة ضد الحوثيين.
المؤشرات توحي بأن مثل هذه العملية لم تنضج بعد، في ظل حسابات عملياتية وتباينات في المواقف والمصالح المتقاطعة، لكن استمرار التأخير قد لا يحدد فقط توقيت المواجهة، بل شكل الجحيم الذي ينتظر المنطقة ومصالح العالم في أهم ممر مائي ومنطقة تجميع لمصالحه.