اليمن في الصحافة الخارجية

بوتين ومسؤولية الحفاظ على الأمن الدولي

روسيا اليوم- اخبار 02/10/2026 15:32 375 مشاهدة
بوتين ومسؤولية الحفاظ على الأمن الدولي
15 خبر

تاريخ النشر: 02.10.2026 | 12:30 GMT

قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال الجلسة العامة الختامية للاجتماع السنوي الـ23 لنادي "فالداي" الدولي يوم أمس: تربطنا بالرئيس ترامب علاقات جيدة إلى حد كبير منذ سنوات طويلة.

وفي إشارة إلى الجهود الإنسانية للسيدة الأولى للولايات المتحدة ميلانيا ترامب في ملف لم شمل الأطفال، أعرب بوتين عن امتنانه لها في المجال الإنساني، وتابع: أقولها بمنتهى الصدق ومن دون أي سخرية على الإطلاق. كذلك ثمّن الرئيس جهود ترامب الصادقة من أجل التوصل إلى تسوية أوكرانية.
وفيما يتعلق باحتمال عقد اجتماع ثلاثي، بين روسيا والولايات المتحدة والصين، رحب بوتين بتلك الفكرة قائلا: ينبغي أن نفهم ما ستكون عليه أجندة أي لقاءات. وقال: الاجتماع مفيد دائما، لأنه يتيح تبادل الآراء وتوضيح المواقف.
من جانبه، واصل الرئيس ترامب إعلانه عن "انتصار" وشيك على إيران، مؤكدا أن النصر سيأتي "بطريقة أو بأخرى"، مضيفا أن أسعار الغاز ستنخفض بعد انتهاء الحرب. وقبل ذلك بأسابيع ذهب ترامب إلى أن الولايات المتحدة "تملك سيطرة كاملة" على مضيق هرمز، فيما وصفت الإدارة الأمريكية ما يجري على الأرض بـ" نجاح الحصار الأمريكي"، وزعمت أن مئات السفن التجارية عبر المضيق تحت الحماية الأمريكية.
فإذا كان الانتصار قد تحقق، فما الحاجة إلى "إنهاء" الحرب؟ ولماذا لا زالت واشنطن وطهران تتفاوضان عبر الوسطاء؟ ولماذا يظل فتح مضيق هرمز جزءا أساسيا من أي تسوية مطروحة؟ ولماذا أعلنت الولايات المتحدة في الأول من أكتوبر حزمة جديدة من العقوبات على قطاعات إيرانية، في الوقت الذي كانت فيه الملاحة في المضيق لا تزال تواجه اضطرابات وهجمات على ناقلات؟
في رأيي المتواضع، ليست المشكلة في إعلان ترامب أن الولايات المتحدة "حققت مكاسب عسكرية"، فهذا توصيف سياسي يمكن للإدارة الأمريكية أن تبيعه للاستهلاك السياسي الداخلي، إلا أن المشكلة الأساسية هي إمكانية وكيفية تلخيص المكاسب العسكرية في لفظة "الانتصار"، وكأن الحرب قد انتهت بمجرد أن أعلن أحد أطرافها إعلاميا أنه "انتصر".
النصر العسكري شيء، والنهاية السياسية للحرب شيء آخر.
الأول يعني أن الولايات المتحدة ربما قد حققت تفوقا عسكريا في مناطق ومراحل معينة من الحرب، وربما قد تكون قد فرضت قيودا ما، شديدة أو غير شديدة، على قدرة إيران على تصدير النفط، وقد تكون قواتها قادرة على حماية جزء من حركة الملاحة في مضيق هرمز.
لكن هذا كله لا يجيب وحده عن السؤال الأهم: ما الهدف السياسي النهائي للحرب، وما إذا كان قد تحقق؟
فإذا كان الهدف هو منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية، فإن ذلك يحتاج إلى تنسيق وتوافق وآلية تحقق ورقابة وترتيبات سياسية ودبلوماسية طويلة الأمد.
وإذا كان الهدف هو إعادة فتح هرمز على نحو مستقر، فإن مجرد القدرة العسكرية الأمريكية على مرافقة السفن لا تعني بالضرورة عودة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب، ولا يبدو الوضع، فيما يرد من أنباء، مستقرا ولا مستداما. بل إن أحدث المواقف الأمريكية نفسها تكشف عن عدم إغلاق الملف، بينما يتحدث ترامب عن الاختيار بين "استئناف الضربات والتوصل إلى اتفاق"، فيما تستمر الوساطات بين واشنطن وطهران.
كذلك، يختفي في خضم كل هذا الزحام والتعقيد، ما أعلن عنه يوما، في بداية الحرب، عن الرغبة في "تغيير النظام في إيران"، وهو ما كان هدفا أعلنته بعض الأطراف.
إن الرئيس فلاديمير بوتين يتصرف بمسؤولية رفيعة كرئيس لدولة نووية عظمى، لتفادي عدم التصعيد غير المسؤول، الذي يمكن أن يضع العالم على حافة صدام نووي. حيث قال الرئيس نصا: إذا وصل الأمر إلى هجوم مباشر على روسيا، والمقصود هنا كالينينغراد، وربما أراض أخرى أيضا، فسيدفع هذا حتما وفورا مسألة استخدام روسيا جميع الأسلحة الموجودة في حوزة البلاد على جدول الأعمال، وهو أمر حتمي.
بوتين هنا يحذر ولا يهدد، ولا يدور الحديث عن الأسلحة النووية على وجه التحديد، وإنما عن "جميع الأسلحة"، والمعنى مفهوم بالنسبة للجميع، حيث كانت موسكو قد وجهت تحذيرات بشأن احتمال استخدام السلاح النووي في سيناريو فرض حصار أو قطع إمكانية الوصول إلى منطقة كالينينغراد، في ظل تهديدات دول غربية إجراء تدريبات في بحر البلطيق ومحاولات اعتراض سفن روسية، وهو ما وصفه حينها بوتين بأنه تصعيد.
فالقضية مرتبطة بالأمن القومي الروسي، ورسالة بوتين بالأمس واضحة لا لبس فيها، تدعو الجميع لتحمل المسؤولية الكبرى لعدم انزلاق العالم إلى صدام نووي تكتيكي أو استراتيجي.
يأتي ذلك في الوقت الذي لا ترى فيه موسكو أي تصرفات وإجراءات على الأرض تؤكد حسن النوايا، والسعي لتحسين العلاقات مع روسيا على الرغم من كل الجهود التي تبذلها روسيا لرأب الصدع واستئناف العلاقات الروسية الأمريكية، وفتح آفاق التعاون بين البلدين في ملفات عدة، لعل أهمها القطب الشمالي.
إن مسؤولية الحفاظ على الأمن الدولي تقاسمها مع روسيا الصين ودول "بريكس" و"شنغهاي للتعاون"، ونأمل أن يتفهم ترامب خطورة الوضع الدولي الراهن، حيث أن تكرار إعلانه عن "الانتصار الوشيك" في الظرف الدقيق الحالي في الشرق الأوسط وحول العالم، يضع العالم على حافة صراع إقليمي ودولي مخيف. فما تتمتع به إيران التي يزعم "الانتصار عليها" كدولة إقليمية مؤثرة وكشعب ملتف حول قيادته من علاقات مع روسيا والصين ومؤيدين كثر في العالم الإسلامي تجعل من هذا "الانتصار" وهما لا أساس له على أرض الواقع.
ومن الضروري أن يتفهم ترامب والإدارة الأمريكية أن الحوار وطاولة المفاوضات وحدها هي السبيل للخروج من الأزمات الراهنة، سواء في أوروبا أو في الشرق الأوسط.
كذلك أتمنى أن يستوعب الرئيس الأمريكي ما صرح به وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بشأن ضرورة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، واستحالة أن يكون هناك أمن واستقرار مستدام في المنطقة بدون قيامها.
تقودنا هذه النقطة مرة أخرى إلى إسرائيل:
فترامب يحتاج إلى تقديم الحرب باعتبارها نجاحا أمريكيا على أعتاب الانتخابات النصفية الأمريكية، بينما يدخل نتنياهو الانتخابات الإسرائيلية في نهاية أكتوبر والحرب من إيران جزء من السجل الذي سيحاسب عليه سياسيا. تقول "رويترز" إن نتنياهو يعيد استخدام خطابه الانتخابي التقليدي باعتباره الرجل القادر على حماية إسرائيل من التهديدات الإقليمية.
من هنا يمكن فهم حساسية كلمة "الانتصار"، فهو بالنسبة لترامب ربما إضعاف إيران، وفرض شروط أمريكية، والسيطرة على حركة الملاحة، ثم الانتقال إلى صفقة.
أما بالنسبة لنتنياهو فهو ما يمكن أن يقدمه إلى الناخب الإسرائيلي بشأن ما حققته إسرائيل بعد كل هذه الحرب.
هنا يصبح أي اتفاق وأي تهدئة وأي ضربة عسكرية وأي تطور يتعلق بإيران جزءا من الحساب السياسي الداخلي الإسرائيلي، والأمريكي على حد سواء. يعني ذلك أيضا أن الحرب دخلت بالفعل إلى موسم الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية، وأصبح تعريف "الانتصار" نفسه جزءا من المعركة.
على خلفية هذا الوضع المشتبك يتكشف لنا الدور المحوري الذي يلعبه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الحفاظ على الأمن الدولي، ومسؤولية روسيا إلى جانب الصين ودول "بريكس" و"شنغهاي" والجنوب العالمي عن منع انزلاق العالم إلى ما لا يحمد عقباه.
ختاما، يبقى أن نتمنى أن يدرك الرئيس ترامب استحالة استمرار الأحادية القطبية ووقف عجلة انتقال العالم إلى التعددية القطبية بدلا من سعيه وإعلانه عن "الانتصار الوشيك" على إيران.

 رامي الشاعر

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب